
لم يكن صعود فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية مجرد محطة عادية في مسار سياسي ينصف المرأة أو يجسد الديمقراطية، بل أحيطت به خفايا وأسرار تتجاوز الواجهة المعلنة، فهذه السيدة التي أصبحت أول رئيسة حكومة المخزن تاتي من عائلة ارتبط اسمها مبكرا بدواليب السلطة والدبلوماسية، وفي مقدمتها دويلة الإمارات، التي كان والدها عبد الرحمن المنصوري سفيرا للمغرب لديها.
فوالد المنصوري لم يكن دبلوماسيا عاديا في أبوظبي، فقد كان باشا مدينة مراكش لمدة ثماني سنوات، ثم تولى منصب سفير المغرب لدى الإمارات، وفي أبريل 1999، منحه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وسام الاستقلال من الطبقة الأولى، تقديرا لجهوده خلال فترة عمله سفيرا للمملكة، وما وصفته السلطات الإماراتية آنذاك بإسهامه في تعزيز وتطوير العلاقات بين البلدين.
هذه الخلفية العائلية تصبح أكثر إثارة للانتباه عندما توضع في سياق التحولات التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، فالإمارات لم تكتفِ بإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، بل أصبحت أحد أبرز مراكز التعاون العربي الإسرائيلي منذ توقيع اتفاق التطبيع في سبتمبر 2020، ونص الاتفاق صراحة على تعميق التعاون في مجالات الاستثمار والمال والاقتصاد وغيرها.
وبعد ثلاثة أشهر فقط، جاء المغرب إلى المسار نفسه، ففي ديسمبر 2020 أعلنت إسرائيل والمغرب اتفاق تطبيع العلاقات بوساطة أمريكية، ليلتحق المغرب خلال أشهر بمسار التطبيع مع إسرائيل بعد الإمارات، وهنا تبرز نقطة تستحق التوقف: الإمارات والمغرب لم يدخلا مسار التطبيع في سنوات مختلفة ومتباعدة، بل تحركا في السنة نفسها، وفي إطار إقليمي واحد تقوده إسرائيل .
ومنذ ذلك الحين، لم تتراجع العلاقة الإماراتية المغربية، بل اتجهت نحو مستويات أوسع من الشراكة، ففي ديسمبر 2023، وقّع الإمارات والمغرب إعلانا بشأن شراكة تضمنت اتفاقيات ومذكرات تفاهم في عدة مجالات .
وهكذا تبدو الصورة أكبر من مجرد علاقة دبلوماسية بين الرباط وأبوظبي، نحن أمام شبكة تتقاطع فيها السياسة والاستثمار والتطبيع والأمن والمصالح الاستراتيجية، وتتحرك داخلها الإمارات وإسرائيل والمغرب في بيئة إقليمية تغيرت جذريا منذ عام 2020.
وفي قلب هذه الصورة تظهر فاطمة الزهراء المنصوري بخلفية لا يمكن فصلها عن هذه التحولات، فهي ابنة مسؤول مغربي سبق أن شغل منصب سفير في أبوظبي وحصل على أعلى وسام يمنح للسفراء هناك، وقضت مدة من عمرها في الدويلة، ثم شقت طريقها داخل حزب الأصالة والمعاصرة حتى أصبحت إحدى أبرز الشخصيات السياسية في البلاد.
وتتحدث بعض القراءات الإعلامية عن صلات متكررة للمنصوري بالإمارات وعن تقارب معها، وهي قراءة تكتسب، بالنسبة إلى منتقدي النفوذ الإماراتي، أهمية إضافية عند وضعها بجانب خلفيتها العائلية والعلاقة المتنامية بين الرباط وأبوظبي.
لكن المسألة لا تتوقف عند الإمارات وحدها بل إلى إسرائيل الآمر الناهي في المغرب
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة صعود المنصوري ضمن مشهد إقليمي أوسع، إمارات ذات نفوذ اقتصادي متزايد في المغرب، وإسرائيل التي عادت إلى الحضور الرسمي في المملكة بتبادل السفراء، وعلاقات سياسية واقتصادية متشابكة تجمع الإمارات والرباط وتل أبيب.
ومن هنا تأتي القراءة الأكثر حدة لصعود “ابنة الباشا” هل يتعلق الأمر فقط بمسار سياسي مغربي داخلي، أم أن صعودها يحدث داخل بيئة إقليمية أصبحت فيها الإمارات لاعبا اقتصاديا وسياسيا مؤثرا في المغرب، وفي الوقت نفسه شريكا استراتيجياً لإسرائيل؟
والسؤال يصبح أكثر حساسية عندما نضع خطا زمنيا واحدا أمامنا، والد المنصوري سفيرا للمغرب في الإمارات وتكريمه بوسام إماراتي سنة 1999، تطبيع الإمارات مع إسرائيل سنة 2020، التحاق المغرب بمسار التطبيع مع إسرائيل في السنة نفسها، ثم توسع الشراكة الاقتصادية الإماراتية المغربية وصولا إلى اتفاقيات واسعة تشمل قطاعات استراتيجية.
هذه الوقائع لا تقدم وحدها دليلا على وجود “خطة سرية” لتعيين المنصوري أو لإدارة المغرب من الخارج، لكنها ترسم مشهدا سياسيا واقتصاديا يجعل سؤال النفوذ الإماراتي والإسرائيلي داخل المغرب مشروعا ومفتوحا على النقاش.
أما القول إن الإمارات تدير شؤون المغرب من بعيد بالدولارات، فهو التعبير الأكثر حدة في هذه القراءة، وتستند هذه الرؤية إلى حجم الاستثمار الإماراتي، واتساع الشراكة السياسية والاقتصادية، وتزامن ذلك مع شبكة التطبيع التي جمعت أبوظبي وتل أبيب والرباط منذ 2020.
وفي النهاية، قد تكون المنصوري مجرد نتاج لمسار سياسي مغربي صعد بها من عمودية مراكش إلى قيادة حزب ثم إلى رئاسة الحكومة، وقد يرى آخرون أن خلفيتها العائلية وعلاقات المغرب المتنامية مع أبوظبي وتل أبيب تجعل صعودها جزءا من صورة أكبر بكثير من حدود شخصها.
لكن الثابت أن قصة فاطمة الزهراء المنصوري لا تبدأ مع تعيينها رئيسة للحكومة، ولا تنتهي عند حزب الأصالة والمعاصرة، إنها تتقاطع مع تاريخ عائلي في دويلة الإمارات، ومع تحول إقليمي بدأ بالتطبيع الإماراتي الإسرائيلي، ثم وصل إلى المغرب في العام نفسه، قبل أن تتوسع شبكة المصالح والاستثمارات بينهم بصورة لافتة.
وهنا تحديدا يبقى السؤال السياسي الأكثر إثارة: هل نحن أمام شراكة مخرنية إماراتية إسرائيلية تتوسع بصورة منظمة وتخطيط ممنهج ، أم أمام منظومة نفوذ جديدة تعيد رسم كل ما هو إماراتي إسرائيلي داخل المغرب؟














