الحدثالعالموطني

الصحف الإيطالية: الجزائر وروما الشراكة الإستثنائية التي تتجاوز محاور الطاقة

في لحظة دولية تتقاطع فيها الأزمات وتتعاظم فيها رهانات الطاقة والأمن الغذائي، تعاملت الصحافة الإيطالية مع زيارة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى الجزائر باعتبارها محطة مفصلية تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي. فبالنسبة لوسائل الإعلام الإيطالية، لم تعد الجزائر مجرد شريك اقتصادي أو مزود للطاقة، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجية المتوسطية لروما، خاصة في ظل اضطرابات الأسواق العالمية وتنامي التحديات الجيوسياسية في المنطقة. وقد أبرزت التحليلات أن هذا التقارب يعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقات الثنائية، يقوم على بناء شراكة طويلة المدى تشمل قطاعات الطاقة، الصناعة، الزراعة، والتكنولوجيا وحتى التحالفات السياسية .

وقد توقفت عدة صحف ووسائل إعلام إيطالية عند الأبعاد الاقتصادية المتنامية لهذه العلاقة، حيث أكدت صحيفة Il Sole 24 Ore أن المبادلات التجارية بين البلدين شهدت نمواً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن الجزائر لم يعد يُنظر إليها كمصدر للطاقة فحسب، بل كشريك صناعي وزراعي واعد. كما أشارت الصحيفة إلى أن “خطة ماتي” (Piano Mattei) بدأت تأخذ بعداً عملياً عبر مشاريع كبرى في قطاع الطاقة تقودها شركة Eni بالشراكة مع Sonatrach، بهدف تطوير الحقول الجديدة وتعزيز تدفقات الغاز نحو أوروبا عبر خط الأنابيب العابر للمتوسط.

من جهتها، ركزت وكالة ANSA وصحيفة La Republica على المشاريع المستقبلية التي تعكس اتساع آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين. ومن أبرز هذه المشاريع برنامج تطوير الزراعة الصحراوية الذي تقوده شركة Bonifiche Ferraresi الإيطالية، والذي يمتد على مساحات شاسعة ويهدف إلى إنتاج الحبوب والبقوليات باستخدام تقنيات زراعية متقدمة. وفي هذا السياق، برزت ولاية سيدي بلعباس كمركز واعد لهذا التعاون، حيث يجري العمل على إنشاء مراكز تقنية ومشاريع صناعية مرتبطة بالزراعة الحديثة، بما يعزز التكامل بين الخبرة التكنولوجية الإيطالية والموارد الجزائرية الضخمة.

كما سلطت تحليلات موقع DECODE39 الضوء على البعد الجيوسياسي المتنامي للشراكة بين البلدين، معتبرة أن الجزائر أصبحت بالنسبة لإيطاليا شريكاً محورياً في قضايا الأمن الإقليمي، خاصة فيما يتعلق باستقرار منطقة الساحل وتأمين طرق الطاقة في المتوسط. وأشارت هذه التحليلات إلى أن التعاون لم يعد مقتصرًا على الغاز، بل شمل أيضاً مشاريع الربط الكهربائي، التعاون الصناعي، والاستثمارات في البنية التحتية، مما يعكس توجهاً نحو بناء علاقة استراتيجية متعددة الأبعاد.

وتكشف هذه القراءات الصحفية أن تنامي الشراكة الجزائرية الإيطالية يتقاطع مع مرحلة اقتصادية جديدة تعيشها الجزائر في السنوات الأخيرة، فقد أطلقت الدولة سلسلة من المشاريع الاستراتيجية الكبرى في مجالات الطاقة والمناجم والصناعة، من بينها تطوير منجم الحديد العملاق في “غارا جبيلات” (Gara Djebilet)، إلى جانب برامج تثمين الموارد المعدنية وتوسيع القاعدة الصناعية الوطنية، فضلاً عن تعزيز الشراكات الدولية في مجالات الزراعة والتكنولوجيا. ويرى مراقبون أن هذه الديناميكية تعكس التحولات التي تشهدها الجزائر في سياق رؤية اقتصادية بعيدة المدى تقوم على تنويع مصادر الثروة وتعزيز موقع البلاد في سلاسل الإنتاج الإقليمية.

ويأتي ذلك في إطار السياسة التي يقودها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والتي ركزت خلال السنوات الأخيرة على استعادة مكانة الدولة اقتصادياً ودبلوماسياً، وترجمة الالتزامات المعلنة إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع. فبفضل هذه المقاربة القائمة على التخطيط الاستراتيجي والانفتاح المتوازن على الشركاء الدوليين، تمكنت الجزائر من ترسيخ موقعها كفاعل اقتصادي موثوق في محيطها المتوسطي والإفريقي، معززةً بذلك رؤية مستقبلية تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع وقادر على مواجهة التحولات الدولية بثبات وواقعية.

فاليوم نتأكد جلياً أن ثمار “الجزائر الجديدة” برزت في تجديد حظيرة النقل عبر استيراد 10,000 حافلة، والخطوات الجريئة والقوية لكسر احتكار الأسعار باستيراد مليون رأس غنم للأضاحي، فضلاً عن الانطلاق الفعلي في مشاريع القرن للتحرر من تبعية المحروقات. إن هذه الديناميكية جعلت من الجزائر البلد الأكثر أمناً واستقراراً في إفريقيا، وهو ما يفسر حالة التكالب المسعور والمناورات اليائسة من أولئك الذين يراقبون بمرارة كيف تتجاوزهم الجزائر بسنوات ضوئية من الإنجازات والمصداقية الدولية، لتبقى القلعة الجزائرية عصية على الانكسار، ومحوراً لا غنى عنه في رسم خارطة المستقبل .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: