
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وقانونية عميقة، صادق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تشريع جديد يضع حداً للتعقيدات التي كانت تمنع عودة الممتلكات الثقافية المنهوبة، وهو القرار الذي وصفته وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) بأنه منعطف تاريخي ينهي عقوداً من الجمود القانوني حول مبدأ “الملك العام الذي لا يمكن التصرف فيه”، حيث يمنح هذا القانون الجديد الحكومة الفرنسية صلاحية إخراج القطع الفنية والأثرية من المتاحف الوطنية عبر مراسيم إدارية مباشرة، مما يمهد الطريق لاستجابة أسرع للمطالب الدولية باستعادة التراث المسلوب.
ويبرز ملف الممتلكات الجزائرية كأحد أكثر القضايا شائكة وحساسية في هذا السياق، نظراً للارتباط الوثيق بين الذاكرة الوطنية والهوية التاريخية التي تعرضت لنهب ممنهج طيلة 132 سنة من الاستعمار، فالجزائر التي طالبت مراراً وعلى مدار عقود بضرورة استرجاع مقتنياتها التاريخية، من مخطوطات نادرة وتحف فنية ومقتنيات رمزية تعود لقادة المقاومة الشعبية، تجد اليوم في هذا التحول القانوني فرصة لانتزاع حقوقها بعيداً عن الوعود السياسية التي كانت غالباً ما تصطدم بعقبات تشريعية داخلية في باريس.
إن هذا الملف الشائك لا يقتصر على كونه قضية ثقافية فحسب، بل هو قلب النابض للعلاقات الفرنسية الجزائرية، ومن المتوقع أن يغير هذا القانون طابع العلاقات الثنائية بشكل جذري، فبدلاً من التعامل مع الذاكرة كعبء تاريخي يسبب التشنج المستمر، يمكن لعمليات الاسترجاع الفعلية أن تفتح باباً لـ “دبلوماسية الاعتذار العملي” وتؤسس لثقة مفقودة منذ أمد بعيد، خاصة وأن الجزائر تعتبر استعادة الأرشيف والآثار جزءاً لا يتجزأ من سيادتها الوطنية ومن شروط بناء علاقة ندية ومتوازنة.
وعلى الرغم من أن القانون الجديد يسهل المسار الإداري كما أكدت وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)، إلا أن التطبيق الفعلي سيظل تحت المجهر، فالاختبار الحقيقي يكمن في مدى جدية باريس في التخلي عن كنوز تاريخية تعتبرها متاحفها جزءاً من “التراث العالمي”، بينما تراها الشعوب المستعمرة دليلاً حياً على حقبة من الاستغلال، وبالنسبة للجزائر، فإن المعركة القادمة ستنتقل من أروقة البرلمانات إلى لجان الجرد والمطالبة المباشرة، مما يجعل من استرجاع الممتلكات المنهوبة حجر الزاوية في صياغة مستقبل الشراكة بين البلدين.
ويمكننا القول أن هذه التطورات جاءت استكمالاً لحراك قاري قادته الجزائر، تجسد في تنظيمها بداية شهر ديسمبر 2025 ل”المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في أفريقيا” تنفيذاً لقرار الاتحاد الأفريقي الصادر في فبراير 2025. حيث أتت هذه المبادرة ضمن جهود الرئيس عبد المجيد تبون الرامية لتحقيق العدالة التاريخية والتعويضات للأفارقة، حيث نجحت الجزائر في توحيد الموقف القاري لتجريم الاستعمار والمطالبة باستعادة التراث المنهوب، مما وضع القوى الاستعمارية السابقة أمام حتمية المراجعة القانونية والأخلاقية لإرثها الماضي.














