
اتخذت فصول السقوط التي عاشها بوعلام صنصال منعطفها الأخير بإعلانه اليائس “فرنسا انتهت بالنسبة لي” أو (c’est fini la France)، وهي الجملة التي لم تكن مجرد تعبير عن الرحيل، بل اعترافًا ضمنيًا بفشل المراهنة على الخارج بعد سنوات طويلة من التموقع في خندق العداء لوطنه.
هذا الكاتب الذي استمرأ لزمن طويل لعب أدوار مشبوهة ترضي الدوائر الثقافية والسياسية الفرنسية، وجد نفسه اليوم منبوذًا في البيئة التي ظنها ملاذه، ليثبت التاريخ مجددًا أن مصير كل من يبيع انتماءه هو الارتماء في “مزبلة التاريخ” بمجرد انتهاء صلاحية خدماته.
وبدلاً من مراجعة الذات أو الاعتراف بجرم الخيانة الوطنية، حاول صنصال في ظهوره الأخير عبر وكالة الأنباء الفرنسية تبرير فشله الذريع من خلال تشبيه خصومه بـ (دون كيشوت) الذي يحارب طواحين الهواء، في محاولة بائسة لتسفيه النقد الوطني الموجه إليه وتصويره كمجرد أوهام. غير أن الحقيقة التي لا يمكنه الهروب منها هي أن فرنسا التي استغلته كأداة إعلامية لسنوات قد نفضت يدها منه، ليخرج منها مهزومًا ومنكسرًا بعد أن أدرك متأخرًا أن العمالة لا تورث إلا الخزي والضياع.
إن مشهد رحيله الوشيك خلال أشهر قليلة بعد خروجه من سجن الجزائر يجسد النهاية الطبيعية لمن اختار التخلي عن جذوره مقابل فتات الاعتراف الغربي، فالتصريح بانتهاء فرنسا بالنسبة له ليس إلا صرخة مكتومة لرجل أدرك أن ثمن خيانة الوطن كان باهظًا جدًا، وأن الحضن الفرنسي الذي ارتمى فيه لم يكن أكثر من فخ انتهى به إلى عزلة تامة.
هكذا تُطوى صفحة الخيانة بمشهد يختصر ذل التبعية، حيث يرحل صنصال البالغ من العمر 81 سنة عن فرنسا محملاً بوزار مواقفه، تاركًا خلفه سيرة سيتذكرها التاريخ كدرس حي لكل من يتوهم أن الخارج يمكن أن يكون بديلاً عن كرامة الانتماء للوطن.











