
أكد وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السيد السعيد سعيود، أن التحول الرقمي لم يعد مجرد مسار تقني أو خيار لتحديث أدوات الإدارة، وإنما أصبح خيارا استراتيجيا وسياديا وأحد المداخل الأساسية لبناء دولة عصرية أكثر كفاءة وفعالية، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة والاستجابة لتطلعات المواطن.
وأوضح سعيود، اليوم الخميس، في كلمته خلال افتتاح الملتقى الوطني الموسوم بـ”الإدارة في مواجهة تحدي الهوية الرقمية بين الرهان الخدماتي ومتطلبات الحماية الرقمية” بالمدرسة الوطنية للإدارة، بالجزائر العاصمة، أن اختيار موضوع اللقاء يندرج في سياق التوجه الذي أرساه رئيس الجمهورية من خلال توجيهاته الرامية إلى تسريع مسار التحول الرقمي، وتحديث أساليب عمل الإدارة، والارتقاء بجودة الخدمة العمومية، بما يجعل الرقمنة رافعة حقيقية لعصرنة الدولة.
وشدد الوزير على أن نجاح الرقمنة لا يقاس برقمنة الإجراءات في حد ذاتها، وإنما بما تحدثه من أثر ملموس في حياة المواطن، وما تعززه من ثقة في مؤسسات الدولة، فضلا عن ضمان العدالة في الولوج إلى الخدمة العمومية والشفافية في المعاملة والسرعة والفعالية في الأداء.
وأضاف أن الغاية المنشودة لا تتمثل في إدارة أكثر رقمية فحسب، وإنما في إدارة أكثر قربا من المواطن وكفاءة وشفافية، وأكثر قدرة على حماية حقوقه ومعطياته وهويته، مبرزا في هذا السياق أن الهوية الرقمية أصبحت أحد المفاتيح الأساسية للتحول الرقمي، كونها لا تقتصر على انها وسيلة تقنية لإثبات شخصية المواطن في الفضاء الرقمي، بل أصبحت مكونا من مكونات العلاقة الجديدة بين المواطن والدولة وعنصرا حاسما في بناء الثقة داخل البيئة الرقمية.
وفي السياق ذاته، أشار سعيود إلى أن هذه المسألة تكتسب أهمية متزايدة على المستوى الدولي، لافتا إلى إقرار 16 سبتمبر يوما عالميا للهوية، بما يؤكد أن الهوية لا تمثل مجرد وسيلة لإثبات الشخصية، وإنما تعد مدخلا أساسيا للاستفادة من الحقوق والخدمات العمومية، مشيرا بالمناسبة إلى أن الهوية الرقمية أصبحت حسب الوزير، ركيزة أساسية لتقديم الخدمات العمومية عن بعد، بما يسمح بتسهيل الولوج إليها وتعزيز أمن المعاملات وتحسين جودة الخدمة، بالتوازي مع ضرورة حماية البيانات وضمان موثوقية الهوية الرقمية.
و أكد الوزير في معرض حديثه، أن سلامة الهوية ودقة بياناتها تشكلان شرطا لضمان وصول المواطن إلى مختلف الخدمات وتسهيل معاملاته مع الإدارة، وتعزيز كفاءة وموثوقية المرفق العمومي.
وفي هذا الإطار، طرح الوزير الإشكالية التي يفرضها هذا التحول، والمتمثلة في كيفية المضي قدما في رقمنة الخدمات العمومية وتبسيطها وجعلها أكثر سهولة ونجاعة، دون إغفال حماية الهوية الرقمية للمواطن وتأمين معطياته وصون السيادة الرقمية.
وأكد أن المسؤولية تقتضي العمل على صناعة نموذج وطني متكامل للتحول الرقمي، يقوم على التوازن بين الابتكار والأمن، وبين الانفتاح والسيادة، وبين متطلبات النجاعة الخدماتية وضرورات حماية المواطن والدولة.
وأشار سعيود إلى أن هذا المسار يندرج ضمن رؤية وطنية متكاملة تتضافر في إطارها جهود مختلف القطاعات والهيئات، كل في حدود اختصاصاته ومسؤولياته، بالتنسيق المستمر مع المحافظة السامية للرقمنة، وفي إطار الاستراتيجية الوطنية للرقمنة باعتبارها المرجع الذي يؤطر هذا المسار ويوجه مراحله نحو بناء إدارة رقمية متكاملة ومترابطة وفعالة.
وفي صميم هذا المسار، أبرز الوزير المسؤولية المحورية التي تضطلع بها وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل بصفتها ضامنة للهوية، بالنظر إلى دورها في تكريس الهوية القانونية للمواطن، لاسيما من خلال منظومة الحالة المدنية وإصدار وثائق الهوية والتنقل والإشراف على الجماعات المحلية.
وأوضح أن هذه المنظومات تمثل في جوهرها القاعدة التي تستند إليها الهوية الرقمية والأساس الذي تبنى عليه موثوقية المعاملات والخدمات في الفضاء الرقمي.
وأكد سعيود أن الثقة تمثل رأسمال كل إدارة رقمية، ولا تمنح بقرار ولا تكتسب بشعار، وإنما تبنى بالضمانات وتترسخ بمدى قدرة الإدارة على حماية المواطن وصون حقوقه في الفضاء الرقمي.
ومن هذا المنطلق، شدد وزير الداخلية، على أن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وتأمين الأنظمة المعلوماتية المرتبطة بالهوية الرقمية ومواكبة المخاطر المتنامية التي تفرضها التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي في الفضاء الرقمي، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد متطلبات تقنية، وإنما باعتبارها التزاما مؤسسيا تجاه كل مواطن.
كما اعتبر هذه العناصر من المقومات الأساسية لترسيخ الثقة في الإدارة والدولة وضمان فضاء رقمي آمن وموثوق، مشيرا إلى أن هذا الالتزام يتطلب تنسيقا وثيقا وتكاملا في الأدوار وتوحيدا للرؤى والمعايير، إلى جانب استثمار مستدام في الكفاءات الوطنية والموارد البشرية التي تسهر على نجاح التحول الرقمي على المستويين المحلي والمركزي.
وفي السياق ذاته، أكد الوزير أن حرص الوزارة على جمع مختلف القطاعات والهيئات وإشراك الجماعات المحلية وممثلي البلديات في هذا الملتقى، ينبع من قناعة بأن بناء منظومة متكاملة للهوية الرقمية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال رؤية مشتركة وتنسيق وثيق وتكامل في الأدوار والمسؤوليات على مختلف المستويات.
وأعرب سعيود عن أمله في أن يشكل الملتقى فضاء لتبادل الخبرات والتجارب والرؤى وتعميق النقاش حول مختلف الأبعاد المرتبطة بالهوية الرقمية، وبلورة توصيات عملية قابلة للتنفيذ، من شأنها أن تسهم في جعل الهوية الرقمية رافعة للثقة، والخدمة العمومية الرقمية أداة للتنمية، والأمن الرقمي ركنا من أركان السيادة الوطنية.
وأكد الوزير في ختام كلمته أن ما سيطرح خلال الأشغال من خبرات وتجارب ومقاربات من شأنه إثراء الورشات الوطنية وبلورة توصيات عملية وواقعية قابلة للتجسيد، بما يخدم مسار عصرنة الإدارة ويعزز كفاءتها ويكرس، في المقام الأول، ثقة المواطن فيها.














