الحدثوطني

كلمة السيد عطاف خلال الإحتفالية المشتركة بيوم الدبلوماسية الجزائرية والذكرى ال81 لتأسيس منظمة الأمم المتحدة

ألقى السيد أحمد عطاف وزير الدولة وزير الشئون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الافريقية، اليوم الخميس، كلمة، خلال الاحتفالية المشتركة التي أقيمت بمقر الوزارة بالجزائر العاصمة، بين وزارة الشؤون الخارجية ومنظمة الأمم المتحدة، بمناسبة يوم الدبلوماسية الجزائرية والذكرى الحادية والثمانين لتأسيس منظمة الأمم المتحدة، هذا نصها الكامل :
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين

السادة مستشارو السيد رئيس الجمهورية،

السيّدات والسادة أعضاء البرلمان،

السيّدات والسادة رؤساء الهيئات الوطنية،

السيّدات والسادة إطارات الجيش الوطني الشعبي،

سعادة السيد عميد السلك الدبلوماسي بالجزائر،

سعادة السيّدة السفيرة والمنسقة المقيمة لنظام الأمم المتحدة في الجزائر،

أصحاب السعادة السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية وممثلو المنظمات الدولية والإقليمية المعتمدة لدى الجزائر،

السيدات والسادة أعضاء الأسرة الإعلامية،

السيدات والسادة إطارات وزارة الشؤون الخارجية

الحضور الكرام،

1. أرحب بكم في هذا الموعد، موعدٌ نضرِبُه لبعضِنا البعض، في نفسِ هذا اليوم من كل سنة، لإحياءِ يومِ الدبلوماسيةِ الجزائرية؛وما يَزيدُ هذه المناسبةَ رمزيةً ودلالةً أنَّنا نحتفي معها اليوم أيضاً، بذكرى تأسيس الأمم المتحدة.

2. منذ أيامٍ قليلة، ِافتَتَحت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورتَها الحاديةَ والثمانين، وكان نِقاشُها العام، في كثيرٍ من وجوهه، مختلفاً عن المألوف. فقد التقى ممثلو دول العالم، على اختلافِمشارِبهم وانتماءاتِهم، عند حقيقةٍ واحدة : أنَّ منظومة العلاقاتِالدولية في أزمة كبرى.

3. ولعلَّ أكثر ما يُعبِّرُ عن دقَّةِ وحساسيةِ هذا الظرف المتأزِّم هو ذلك الشعورُ الذي امتَزَجَت فيه مَسْحَةٌ من الإحباطِ بقلقٍ متزايد، وبقدرٍ غير قليل من التشاؤم إزاءَ ما يُخَبِّئُه المستقبل. وهيمشاعرُ يُغذِّيها ما يحيطُ بعالمِنا من تحولاتٍ مُقْلِقَة، وما تَطرَحُه هذه التحولات من أسئلةٍ تفرضُ نفسها حول مصيرِ النظام الدولي، وحول قدرةِ الأسرة الدولية على الوفاء للمبادئ التي اِرتضَتْها لنفسِها. 

✓ ومبعثُ القلقِ الأول هو ما آلت إليه مكانةُ الأمم المتحدة، في ظلِّ ما نَشهَدُهُ من محاولاتِ تهميشٍ لدورِها، ومن تنامي ممارساتٍ وتصرفاتٍ تتنافى ومقاصدِ ميثاقِها ومبادِئه؛

✓ أما مبعثُ القلقِ الثاني، فيتصلُّ بالتراجعِ الخطير في احترامِ القانونِ الدولي، وبما نَشهَدُه من تجاهل صريح، بل من طعنٍ في قواعدَ يُفْتَرَضُ أن تكون مُلزمةً للجميع، لا أن تُطَبَّقَ انتقائياً وتمييزياً حسبَ ما تُمليه وتَفرِضُه فَرْضاً موازينُ القوى؛

✓ ومبعثُ القلق الثالث هو ما يطالُ العملَ متعددَ الأطراف من إضعافٍ متواصلٍ، في وقتٍ هو أحوجُ ما يكونُ فيه إلى أن يُصان ويُعزّز، بسببِ الانكفاء على الذات وبسبب النَّزعة الأحادية وبسبب تفشي الأنانيات.

4. وفي ظرفٍ كهذا، يتعيَّنُ علينا أن نقولَ وأن نُؤكِّدَ، دون تردد: أنَّالأمم المتحدة ليست مُجرَّدَ مؤسسةٍ من مؤسسات النظام الدولي، وليست بناءً إدارياً قابلاً للاستغناء عنه كلما تعارضت قواعِدُه مع إفرازاتِ موازين القوى. إنَّ الأمم المتحدة، هي أكبرُمن ذلك بكثير، إنها إنجازٌ حضاريٌّ للبشرية جمعاء؛ ثَمَرَةُ قناعةٍ عميقة بأنَّ البشريةَ واحدة، وأن مصيرها، مهما تعددت الدول واختلفت المصالح، يظلُّ مَصيراً مشتركاً. وأنَّ القانون الدولي ملزم للجميع، لا يخضع للأهواء والحسابات الضيقة. وأنَّ العمل متعدد الأطراف أداةٌ في خدمةِ الصالح العام الدولي، وتجسيدٌ لحقيقة واضحة: هي أنَّ مصالح الدول، مهما بَدَتْ مُتباعدة، فهي متشابكةٌ إلى الحدِّ الذي يجعل التعاون بينها ضرورةً لا خياراً.

إنَّ هذه الركائزَ هي السبيلُ الوحيد كي تستطيع الدول أن تُطَوِّرَعلاقاتِها على أساسِ التوافقِ لا الصِّدام، وعلى أساس الحوار لا الإملاء، وعلى أساس البحث عن مساحات الالتقاء لا تكريس أو توسيع مساحات الاختلاف.

5. لقد تغيَّر العالمُ كثيراً منذ ميلاد الأمم المتحدة. غير أنَّ المفارقةَالصادمة هي أنَّ بعض الممارسات التي قامت الأممُ المتحدةُأصلاً لمنعِها أو ردعِها، تعودُ اليوم بقوة وبأشكالٍ مختلفة، وبوَتيرةٍ تبعث على الانشغال والقلق. فنحن نقف أمام مشهدٍعالميٍ تتفاقمُ فيه الأزمات، وتَسْتَعِرُ فيه الحروب والنزاعات، وتتسعُ فيه الهُوَّة التنموية بين الشمال والجنوب، وتتعاظمُ وتتنوَّعُفيه المخاطر التي تهدد السلم والأمن الدوليين. 

6. وليس أخطرُ ما في هذا الوضع تعدُّدُ بُؤرِ الأزمات فحسب، وإنما أن تبدأ الشعوبُ والدولُ في فقدانِ الثقة في النظام الدولي نَفْسِه. فحين يُصبح القانون نافذاً في مكان ومعلقاً في مكان آخر، وحين تُصبِحُ الشرعية الدولية رهينة للحسابات السياسية الضيقة، وحين تُصبِحُ المبادئ قابلة للتجزئة بحسب موازين القوى، فإنَّ الذي يتآكلُ في النهاية ليس حقَّ طَرَفٍبعينِه، أو مجموعة بعينها، وإنما الثقة في النظام الدولي بِرُمَّتِهوفي منظومة الأمم المتحدة ذاتَها.

✓ إنَّ تطبيق القانون الدولي لا يمكن أن يخضع للأهواء والأمزِجَة. 

✓ ولا يمكن للشرعية الدولية أن تكون مَطِيَّةً لخدمة مصالحِ البعض على حساب مصالحِ البعض الآخر.

✓ ولا يمكن لمبادئ الأمم المتحدة أن تكون مبادئ انتقائية، صالحةًفي مكان وباطلةً في مكان آخر.

✓ فإما أن تكون الشرعية الدولية واحدة، أو لا تكون.

✓ وإما أن يكون القانون فوق الجميع، أو أن يفقدَ القانونُ معناهويتجرَّدَ من عِلَّةَ وجوده.

7. ومن هنا، فإن قناعتَنا راسخةٌ بأنَّ الأمن لا ينفصل عن العدالة، وأنَّ الاستقرار لا ينفصل عن الشرعية، وأنَّ التنمية لا تنفصل عن السلم وأنَّه لا يمكن بناء نظامٍ دوليٍ أكثرَ عدلاً دون إنصاف الشعوبِ المضطهدةِ والمتطلعةِ إلى تحقيق آمالِها وتقريرِمصيرِها.

8. ومن منطلق هذه الرؤية، انخرطت الجزائر، مطلع هذه السنة، في مسارٍ يرمي إلى الإسهام في بلورة حلٍّ سياسي دائمٍوعادلٍ لقضية الصحراء الغربية.

9. إن مشاركة الجزائر في هذا المسعى لم يكن وليد ظرف عابِر، وإنما كان تعبيراً عن إيمانٍ راسخٍ بأنَّ التوصل إلى حل عادل ونهائي لهذه القضية من شأنه أن يُعجِّل بإنصاف الشعب الصحراوي، وأن يَفْتَحَ أمام المنطقة أُفُقاً جديداً من الأمن والاستقرار، وأن يُهيِّئَ، في نهاية المطاف، الظروف الملائمة لتعاونٍ أوسع واندماجٍ أعمق بين دولها، بما يعود بالخير والرفاه على شعوب المغرب العربي كافَّة. 

10. ولقد دخلت الجزائر هذا المسار وهي تستند إلى قناعاتٍ لا تُبَدِّلُها الظروف، ولا تُغيِّرُها التحولات، ولا ينالُ منها حجم الصعوبات والعراقيل.

✓ أولُّ هذه القناعات أنَّ قضية الصحراء الغربية تظل قضية تصفية استعمار لم تُستَكْمَل مسيرتُها؛ 

✓ وثاني هذه القناعات أنَّ شعب الصحراء الغربية يتمتَّعُ، وفق الشرعية الدولية، ووفق ميثاق الأمم المتحدة، بحقٍّ أصيل وغير قابل للتصرف في تقرير المصير؛

✓ وثالث هذه القناعات أنَّ الأمم المتحدة، في ممارساتِها وقراراتِها المتعلقة بتصفية الاستعمار، أرست ضوابطَ ومبادئ واضحة، لا يمكن أن يكون شعبُ الصحراء الغربية استثناءًعنها أو ضحيةَ إقصاءٍ تعسفيٍّ منها. 

11. ومن هذا المنظور، جاء انخراطُ الجزائر في المسار الذي أسَّسَ له قرار مجلس الأمن 2797، انطلاقاً مما جاء به من عناصر يُمكنُ أن تُعَبِّدَ الطريقَ لعمليةٍ سياسيةٍ، وتُدْخِلَ تَحَوُلاتٍ إيجابيةًفي مقاربةِ قضية الصحراء الغربية. 

✓ فقد أسَّسَ القرار، لانطلاق مفاوضاتٍ مباشرةٍ بين طرفي النزاع، المملكة المغربية وجبهة البوليساريو؛ 

✓ وأتاحَ القرار، بالتوازي مع المقترح المغربي، لجبهة البوليساريو أن تطرحَ تصوُّرَها للحلِّ النهائي؛ 

✓ وأكَّد القرار أنَّ الحلَّ المنشودَ ينبغي أن يكون حلاً مقبولاً من الطرفين، بما يَجْعلُ من التوافقِ لا الإملاء، ومن التفاوضِ لا الفرض، منهجيةً ومقاربةً للبحث عن التسوية السياسية لقضية الصحراء الغربية؛

✓ وفوق كل هذا وذاك، أبقى القرارُ حقَّ شعبِ الصحراء الغربيةفي تقرير المصير حاضراً، ثابتاً وراسخاً في صلبِ هذه العملية السياسية، باعتباره المرجعيةَ الأصيلةَ التي لا يمكن تَجاوُزُها إذا أُرِيدَ لهذا المسار أن يقودَ إلى حلٍّ عادل ودائم.

لمَّا يتعلق الأمر بتصفيةِ الاستعمار فإنَّ الحق في تقرير المصير، هو ثابت الثوابت، وهو ضابط الضوابط، وهو مرجع المرجعيات. 

12. إنَّ الجزائر، وهي تنخرط في هذا المسعى، تُشدِّدُ على أهمية التوصل إلى حلٍّ يُنهي النزاع، وحلٍّ يُنصف شعب الصحراء الغربية، وحلٍّ يَصونُ مصداقية الأمم المتحدة، وحلٍّ يعزز أمن المَنطِقة واستقرارَها واندماجَها بما يحقق تطلعاتِ شعوبها للرفاه والتنمية.

ولهذا، فإن أي انحراف عن هذه الثوابت، أو التفاف على هذه الضوابط، أو إبعاد لهذه المرجعيات، لن يكون من شأنه سوى إبعادَنا عن الغاية المنشودة، أي الوصولُ إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول لطرفي النزاع؛ حلٌّ تَطْمَئِنُّ إليه كل شعوب ودول المنطقة وترضى به.

13. وفي هذا السياق، تُتابعُ الجزائر، بالكثير من الاستغراب، الممزوجِ بالانشغال المشروع، محاولاتِ حَرْفِ قضية الصحراء الغربية عن جوهرها، أي عن كونِها قضية تصفية استعمار، واختزالِها في مسألةِ لاجئين صِرْفة. إنَّ اللاجئين الصحراويين في مخيمات اللجوء:

✓ ليسوا لاجئين ابتلتْهُم حربٌ أهلية بِشَرِّ بلية.

✓ وليسوا لاجئين مناخيين.

✓ وليسوا لاجئين اقتصاديين.

✓ وليسوا لاجئين بسبب كوارث طبيعية.

✓ وليسوا لاجئين دينيين.

إنهم نتيجةُ احتلالٍ لأرضهم دفعهم للتشرد والتشتت. إنهم أصحاب قضيةٍ عادلة. أنهم مدافعون عن حق أصيل في تقرير مصيرهم. حقٌّلا يسقط بطول أمد الاحتلال، ولا يضيع بالتواطؤ، ولا يوضع في طي النسيان، ولا يُمحى بكسبِ الوقت لفرض الأمر الواقع فرضاً.

14. وفي هذا الصدد، فإنَّ الجزائر:

✓ تُحذر من أي محاولة لتجاوز الشرعية الدولية وعقيدة الأمم المتحدة في تصفية الاستعمار وممارستها الثابتة بهذا الخصوص؛

✓ وتُحذر كذلك من أي محاولة لهضم حق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره؛

✓ وتُحذر من أي محاولة لتثبيت وشرعنة أمرٍ واقعٍ مفروض فيالصحراء الغربية. 

15. إنّ البلدَ الذي خاض غمار حربٍ تحريرية كانت مصدرَ إلهامٍللكثيرين، والبلدَ الذي مهّدت تضحياتُ شعبِه لاعتمادِ القرار1514 المعنون “إعلانُ منحِ الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة”،والبلدَالذي لم يتوانَى عن دعم كل الشعوب التواقة إلى الحرية، لايمكنه اليوم أن يتخلى عن هذا الإرث، أو أن يَتَنَصَّلَ ممّا يمليهعليه من وفاء، أو أن يضربَ عرض الحائط بهذا الرصيدويشوّهَه،عندما يتعلق الأمر باستكمالِ مسارِ تصفيةِ آخرمستعمرة في القارة الإفريقية.

16. وكما كان موقِفُنا من قضية الصحراء الغربية واضحاً لا لُبْسَفيه، يبقى موقِفُنا من القضية الفلسطينية واضحاً كالشمسِ في رابِعةِ النهار. فالجزائر تُجدِّدُ دعمَها الكامل وغير المشروط للحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مُقدمتِها حقُّه الطبيعي في إقامة دولتِه المستقلة، دولتِه القابلة للحياة، دولتِه كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشريف.

17. وتدين الجزائر كل الاعتداءات على الشعب الفلسطيني الأعزل، وما أكثرَها، وتؤكد ضرورةَ احترام قرارات الشرعية الدولية بما يُمكِّنُ الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة. كما تدعو إلى وقفة جادة للمجموعة الدوليةفي وجه آلة الإبادة في غزة والضفة الغربية.

18. إنَّ ما يتعرض له الشعب الفلسطيني لا ينبغي أن يتحوَّل إلى مشهدٍ طبيعي واعتيادي، لا تقشعِرُّ له الأبدان، ولا تهتزُّ له الضمائر ولا تستنكِرُه النفوس. فالضحايا ليسوا أرقاماً. والمدن ليست خرائط. والبيوت التي تُهدم ليست أحجارا. فخلف كل ذلك إنسانٌ، وأسرةٌ، وذكرياتٌ، وحياةٌ كان يُفترض أن تستمروحُلمٌ مشروعٌ كان يُفترض أن يتجسد.

19. وتدعو الجزائر كذلك إلى احترام القدسِ والمقدسات، إسلاميةًومسيحيةً، لأن الانتهاكات التي تطالها ليست مجرَّدَ اعتداءٍ على أمْكِنةٍ ومساسٍ بحُرْمَتِها، فالأمر أخطر من هذا بكثير! وما نشهدُه هو محاولة لتحويل صراعٍ سياسي إلى صراعٍ ديني، وهي مُنزلقاتٌ ستكون نتائجُها وخيمة، ليس على منطقة الشرق الأوسط فحسب، وإنما على العالم بأسرِه.

20. كما تُعرِبُ الجزائر عن أسفها إزاء تَعَطُّلِ جميعِ الجهود الراميةإلى فتح مساراتٍ تُفضي إلى وضع حدٍّ للصراع الدائرِ فيمنطقة الخليج، وتُجَدِّدُ دعمَها لهذه الجهود، وتدعو القائمينعليها إلى التحلي بطول النَّفَس ومواصلةِ مساعيهم الحميدة،رغم صعوبة المأمورية وتعقُّدها. وتدين الجزائر ما تتعرض له دول وشعوب المَنطِقَة من تصعيد، وتجدد دعمَها وتضامنَها الكامل مع الأشقاء في الخليج، الذين اكتووا بنيران حربٍ لم يكونوا مُسَعِّريها، حربٌ ليست حربَهم. 

21. لقد تجاوز أثرُ التصعيدِ في الخليج حدودَ المَنطِقَة، ليمَسَّالطاقة والغذاء والاقتصاد والأمن والاستقرار في العالم بأسره.ولهذا، فإننا ندعو لتغليب لغةِ الحوار والتعقل، وندعو للتحلي بالحكمة والتبصُر، وندعو للعمل على لجم نزاعٍ لا رابحَ منَّا فيه، ولا مستفيدَ منَّا منه، قبل أن تتسِّع دائرتُه، وقبل أن يُصبِحَ ثمنُاحتوائِه أكبرَ من قدرة الجميع على تحمله.

22. كما ندين الاعتداءات على سيادة لبنان وسوريا الشقيقين، من قبل المحتل الإسرائيلي، ونجدد تضماننا مع قيادتَيْهما وشعبيهما.

23. وتستنكرُ الجزائر ما تتعرَّض له ليبيا والسودان والصومال واليمن، وتدعم الشرعية في هذه الدول، وتدعم وحدتَها وسلامةَأراضيها، وترفضُ كلَّ مسعى يرمي إلى تفكيك مؤسساتها أو إضعاف دولها أو تحويل أزماتها إلى ساحات مفتوحة للتدخلات الأجنبية. وتشدد الجزائر على أهمية إعلاءِ قيمِالتضامن وحسن الجوار.

24. إن حُسن الجوار، بالنسبة للجزائر، ليس مجردَ حقيقةٍ تفرضها الجغرافيا، ولا شعاراً دبلوماسياً تردِّدُه في المحافِل، ولا تموقعًامناسباتيًا تحكُمُه الظرفية، يحضر حينًا ويغيب حينًا. إنه خيارٌ راسخ، وقناعةٌ عميقةٌ بأنَّ أمن الجزائر لا يمكن أن ينفصل عن أمن محيطِها، وأنَّ استقرار الجوار مصلحة مشتركة ومسؤولية مشتركة وواجب مشترك.

25. ومن هذا المنطلق، تنظرُ الجزائر إلى منطقة الساحل لا باعتبارها فضاءً للأزمات الأمنية فحسب، وإنما باعتبارها فضاءً بشرياً وتاريخياً متكاملاً، تتزاوج فيه تحديات الأمن مع تحديات التنمية، وتتقاطع فيه الاعتبارات السياسية مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

26. ولهذا، تتمسك الجزائر بمقاربة شاملة، تُرافقُ من خلالها جهودَدول المَنطقَة، وتشجع الحوار والمصالحة، وتدعمُ كلَّ جهدٍ صادق يرمي إلى معالجة أسباب الأزمات وجذورها، في كنف الاحترام الكامل لسيادة الدول واِستقلالِها ووِحدتِها الوطنية وحرمتِها الترابية. 

27. وكما جاء في تحليلٍ صائبٍ لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تحليلٌ أكدت وجاهَتُه كل التطورات الأخيرة الحاصلة في المنطقة:  

✓ لا يمكن اختزال مشاكل الساحل في بعدها الأمني.

✓ ولا يمكن بناء استقرار دائم على المقاربة الأمنية والعسكرية وحدَها.

✓ ولا يمكن معالجة مظاهر الأزمة الجهوية مع ترك أسبابها العميقة تتكاثر، بل تتعفن.

28. وينجرُّ تلقائيا عن هذا التحليل لرئيس الجمهورية أنَّ معالجة الأزمات لا ينبغي أن تقتصر على احتواء مفعولها، بل يجب أن تتجه، بالقَدْرِ ذاته، إلى معالجة جذورها. فالاستقرار الذي يقومُعلى الأمن وحدَه قد يوقف مؤقتاً مظاهر الأزمة، أو يحدُّ منها،لكنه لا يضمن بالضرورة زوال أسبابِها وعدم تكرارِها. أمَّا الاستقرارُ الذي يجمع بين الأمن والتنمية، وبين المصالحة والحوار، وبين احترام السيادة وفتح آفاق الأمل أمام الشعوب، فهو وحدَهُ القادرُ على أن يتحول إلى سلام دائم ومستدام.

29. وانطلاقًا من إيمانٍ راسخ بأنَّ أَمْنَ الساحل من أمنِها، وأن استقرارَهُ من استقرارِها، وأن تطلعاتِه من تطلعاتِها، تعمل الجزائر على مواكبة جهود دول المنطقة وتعزيز قدراتها، بما يسهم في ترسيخ مقومات التنمية والاستقرار. 

30. وفي هذا الإطار، تواصل الجزائر دعم قدرات دول الساحل في مجال الطاقة، والمساهمة في تطوير بنيتها التحتية، لاسيما من خلال استكمال ما تبقى من الطريق العابر للصحراء، الذي تتولى شركات جزائرية إنجاز الأجزاءِ المتبقيةِ منه، فضلًا عن تدشين الربط بشبكات الألياف البصرية، مع النيجر، منذ يومين. كما تنخرط الجزائر بجدٍّ وعزمٍ في مسار الاندماج الطاقوي الإقليمي، الذي يمثل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء ركيزَتَهُ الأساسية، بما يفتحُ آفاقًا أوسع للتكامل والتنمية المشتركة عبر شراكة تتقاسمُ فيها الأرباحَ والمنافع.

31. وتؤمن الجزائر بأنَّ التنمية ليست بالضرورة جُهدًا منفردًا، وإنَّما هي مسارٌ تشاركيٌ تتسِعُ ثماره بقدر اِتساعِ دائرة المساهمين فيه. وعليه، فإنَّها تعملُ على تعبئة شركائها الدوليين، بما يعزز الحركية الإيجابية التي تشهدها منطقة الساحل، ويُتيحُ مضاعفةَ أثرِ المبادراتِ القائمة وتوسيعَ نطاق الاستفادة منها، خدمةً للتنمية والاستقرار والازدهار المشترك.

32. والجزائر، بحكم موقعِها وتجربتِها وتاريخِها، تؤمن بأن الحلول التي تُبنى من داخل المَنطِقَة، وبمشاركة دولها وشعوبها، هي الأقدرُ على الاستجابة لتعقيداتِها وخصوصياتِها. فالساحل لا يحتاج إلى مقاربات تُفرَضُ عليه من الخارج بقدرِ ما يحتاج إلى شراكاتٍ تُصْغِي إلى واقعِه، وتحترم سيادةَ دولِه، وتستثمر في عبقرية شعوبِه. إننا لا نريد للساحل أن يكون عنواناً دائماً للأزمات، ولا أن يُخْتزَلَ في خرائطِ التهديد. نريدُه فضاءً للأمن والتنمية، ونريدُه فضاءً للتعاونِ والتكامل، ونريدُه فضاءً لتلاقي وتقاطعِ المصالح والمصائر.

33. فالجوارُ الآمن ليس فقط جاراً لا يهدِّدُك؛ بل هو جارٌ قادر على أن يبني معك، و جارٌ ينمو معك، وجارٌ يأمل معك، و جارٌ يطمح معك. والسلام في الساحل لن يكون سلاماً حقيقياً حين يتم إسكاتُ دَوِيِّ البنادقِ فقط، وإنما حينَ تنطلقُ مشاريعُ التنمية، وتُفتح أبوابُ العمل والأمل، ويستعيدُ الإنسان ثقتَه في غدِهِ.

34. ذلكَ هو المعنى الذي تُعْطيهِ الجزائر، وفقا لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لحسن الجوار: أن نحميَأمنَنا معاً، وأن نبنيَ تنميتَنا معاً، وأن نفتح لشعوب المنطقة طريقاً لا يقودُها من أزمة إلى أخرى، وإنما ينقُلُها من القلق إلى الطمأنينة، وينقُلُها من الهشاشة إلى الاستقرار والعيش الكريم.

35. وإذا كانت الجزائر تتمسك بالسلم والأمن، وتحترم سيادة الدول، وتنأى بنفسها عن التدخل في شؤون الغير، وتدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، فإنها تنطلق، في الوقت ذاته، من قناعةٍ لا تقِلُّ رسوخاً: أنَّ الأمن لا يستقيم من دون تنمية، وأنَّ السلام لا يترسخ من دون عدالة، وأنَّ الاستقرار لا يمكن أن يدوم إذا غاب الأمل من حياة الأفراد. 

36. ذلك أنَّ التنمية في نظرِنا، ليست الوجه الآخر للسلام فحسب، بل هي أحد شروطه الأساسية. وليست مجرد مؤشرات ولا إحصائيات تُدوَّنُ في السجلات، وإنما هي، في جوهرها، أن يشعر الإنسان بأنَّ المستقبل الذي يُبنى باسمه، يُبنى أيضاً من أجله.

37. ومن هنا تنبُعُ مقاربة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، للتنمية باعتبارها خياراً سيادياً، ومشروعاً وطنياً، وحقاً للإنسان في أن يكون شريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد مستفيدٍ من نتائجه. فالتنمية الحقيقية هي التي تضع الإنسان في قلبِ السياسات العمومية، وتَربِطُ النموَ بالعدالة الاجتماعية، والاستثمارَ بخلقِ الفُرص للجميع، والتقدم الاقتصادي بضمان الحياة الكريمة.

38. وفي هذا السياق، تقاسمت الجزائر مع المجموعة الدولية، شهر جويلية 2026، حصيلة جهدها التنموي من خلال استعراض تقريرها الوطني الطوعي بشأن تنفيذ أهداف التنمية المستدامة في إطار آلية المتابعة والاستعراض الخاصة بأجندة الأمم المتحدة 2030. وقد عكس هذا التقرير مساراً وطنياً يقوم على مقاربة متكاملة للتنمية، قَوامُها تعبئة الموارد الوطنية، ومُواءَمَة السياسات العمومية مع أهداف التنمية المستدامة، وإشراك مختلف الفاعلين من دون تمييز أو إقصاء.

39. وقد تمكنت الجزائر من إحراز تقدُّمٍ معتبرٍ في عديدِ المجالات ذات الصلة بأهداف التنمية المستدامة، وهو ما انعكس إيجابًا على موقعها في عدد من المؤشرات والتصنيفات الدولية، وجَعَلَها تتبوَّأُ مراتب مُتقدمةٍ على الصعيد الإفريقي. ويُشكِّلُ تصدُّر الجزائر ترتيب المنطقة في التصنيف العالمي لمؤشر التنمية البشرية، شاهدًا دالًا على أن ثمار هذه الجهود لم تعد مجرد مؤشراتٍ وأرقام، وإنما أضحت واقعًا ملموسًا ينعكس على ظروف معيشة الجزائريات والجزائريين.

40. كما أنَّ التنمية، في الرؤية الجزائرية، لا تُختَزل حَصْراً في بناءِ الطرق والمنشآت والمصانع، على أهميَّتُها. إنها أيضاً، وقبل كلِّ ذلك، بناءُ الإنسان. ومن هنا يأتي الاهتمام بتمكين المرأة والشباب. إننا نؤمن بأن الشباب ليسوا فقط جيل المستقبل؛ إنَّهم، قبل ذلك، شركاء الحاضر. وأنَّ تمكين المرأة ليس مجرد هدفٍ من أهداف التنمية، بل هو استثمار في المجتمع كلِّه، وفي قدرته على إنتاج التنمية وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعيةوالاستقرار الشامل. 

41. وتلك هي الرسالة التي تحملها الجزائر إلى العمل متعدد الأطراف: أن التنمية لا ينبغي أن تكون ثمناً يدفع مقابل السلام، ولا وعداً مؤجلاً إلى ما بعد الاستقرار.

✓ فالتنمية، حين تتقاسمها الشعوب، تُصبِح قوةً دافعةً ورافعةً للسلم.

✓ والسلام، حين يستندُ إلى العدالة، يُصبِح أكثر صلابةً وأكثر استدامة.

✓ والاستقرار، حين يقوم على التنمية والأمل، يُصبِح أكثر رسوخاًوأكثر قابلية للدوام.

42. ولأنَّها تؤمنُ بأن التنمية ينبغي أن تكون في صلب العمل الدولي، تجعل الجزائر، من رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، هذه السنة، مناسبةً لتعزيز مكانةِالبعد التنموي في عمل الأمم المتحدة وهياكِلِها. وذلك لاعتبارات عدة:

✓ اعتبارُ التنمية جزءاً من معادلة الاستقرار الدولي، 

✓ واعتبارُ التنمية ركيزةً من ركائز الأمن والسلم الدوليين،

✓ واعتبارُ التنمية أساساً لبناء نظامٍ دولي أكثر توازناً و أكثر إنصافاً و أكثر تجاوباً مع تطلعاتِ وطموحاتِ جميعِ الشعوب.

43. إنَّ العالم الذي نريده ليس عالماً تتقدم فيه قلة بينما تبقى الأغلبية على هامش المشوار؛ وإنما عالمٌ يتقدم فيه الجميع، لأن مستقبل الإنسانية، في النهاية، لا يمكن أن يكون إلا مستقبلاً مشتركاً ومستقبلا واحداً. لهذا ستواصل الجزائر الإسهام فيمد جسور التعاون والشراكة، وتحقيق المنفعةِ المتبادلة، وترسيخِاحترام السيادة الوطنية، من أجل إعادة الاتزان وبناء العدالة والإنصاف وتغليب روح الحوار في منظومة العلاقات الدولية.

وشكراً لكم على كرم الإصغاء.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: