الحدثوطني

كلمة الجزائر التي هزت العالم: عطاف يرفع سقف الخطاب أمام الأمم المتحدة

لم تكن الكلمة التي حملت صوت الجزائر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، مساء الاثنين، مجرد خطاب دبلوماسي آخر في ختام النقاش العام للدورة الـ81، بل جاءت في لحظة دولية شديدة الحساسية، لتضع أمام العالم أسئلة ثقيلة حول مستقبل النظام الدولي، ومصداقية القانون، وحدود استخدام القوة، ومستقبل منظمة يفترض أن تكون مظلة جماعية لحل النزاعات ومنع الحروب.

ومن قلب نيويورك، تحدث وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، بلغة مباشرة عن عالم “يقف عند مفترق طرق”، في خطاب التقت فيه قضايا فلسطين والصحراء الغربية وإفريقيا والشرق الأوسط والساحل وإصلاح الأمم المتحدة عند فكرة واحدة: لا يمكن أن يستمر النظام الدولي بمنطق المعايير المزدوجة.

ولفتت وكالة أسوشيتد برس الانتباه إلى كلمة عطاف ضمن أبرز التصريحات التي صدرت في اليوم الأخير من النقاش العام، ونقلت عنه دعوته إلى أن تكون استعادة الثقة “عملية وليست مجرد شعار”، كما أوردت في تغطيتها أن الوزير عطاف طرح تصورا يقوم على بناء “بيت مشترك” بدل منظمة رهينة لهيمنة سياسة القوة.

وفي الاتجاه ذاته، أبرزت BBC News عربي في تغطيتها لليوم الختامي تمسك الجزائر بهويتها الإفريقية ودعمها لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف، إلى جانب تأكيد عطاف وقوف الجزائر إلى جانب الشعب الصحراوي و” حقه المشروع في دولة مستقلة”، كما توقفت BBC عند تحذيره من تهميش الشعب الصحراوي وجبهة البوليساريو في منطقة “هي في أمس الحاجة إلى الاستقرار”.

ولم يكن اختيار هذه الملفات في صدارة الخطاب الجزائري منفصلا عن قراءة أوسع للمشهد الدولي، إذ وضعت الجزائر إصلاح منظمة الأمم المتحدة في قلب رؤيتها، معتبرة أن استمرار العمل بمنظومة تعكس توازنات قديمة لم يعد يستجيب للتحولات التي يشهدها العالم.

وقالت وكالة الأناضول إن عطاف دعا إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة، مؤكدا أن الإصلاح لم يعد “ترفا مؤسساتيا”، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات العميقة التي شهدها العالم والحاجة إلى نظام دولي أكثر عدلا وتمثيلا وإنصافا.

ومن هنا انتقلت الجزائر إلى جوهر الأزمة التي ترى أنها تهدد النظام الدولي، حيث حذر عطاف من تراجع الثقة بين الدول وتصاعد الاستقطاب واللجوء إلى القوة والإجراءات القسرية أحادية الجانب، محذرا من أن الخطر لا يكمن في اندلاع الحروب فقط، وإنما أيضا في تحول الحرب والاستثناء إلى أمر طبيعي.

ونقلت Arab News عن عطاف تحذيره من أن النزاعات الإقليمية باتت “تضعف الحدود” الفاصلة بين ما هو مقبول وما يجب أن يبقى مرفوضا ومدانا في العلاقات الدولية، في رسالة تعكس تمسك الجزائر بضرورة احترام قواعد القانون الدولي دون انتقائية.

وفي مواجهة هذا الواقع، رفعت الجزائر سقف دعوتها إلى إصلاح مجلس الأمن، مطالبة بجعله أكثر تمثيلا وعدلا وفاعلية، وتعزيز سلطة الجمعية العامة ووضع حد للانتقائية والازدواجية في تطبيق القانون الدولي.

ولم تفصل الجزائر هذا المطلب عن القضية الإفريقية، إذ جدد عطاف دعم بلاده للموقف الإفريقي المشترك بشأن إصلاح مجلس الأمن وتصحيح ما وصفه بالظلم التاريخي الواقع على القارة، بما يضمن لها تمثيلا دائما وعادلا بصلاحيات كاملة.

فلسطين.. الاختبار الأوضح

وفي القضية الفلسطينية، اتخذ الخطاب بعدا أكثر مباشرة، إذ جددت الجزائر دعمها الكامل وغير المشروط للحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف.

وأكدت وكالة الأنباء الجزائرية أن عطاف جدد في نيويورك دعم الجزائر “الكامل وغير المشروط” للحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، في مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف.

وفي تغطيتها، أشارت BBC News عربي أيضا إلى موقف الجزائر من وقف إطلاق النار في غزة، موضحة أن عطاف أكد أن الجزائر رحبت بالهدنة أملا في وضع حد للمأساة الإنسانية، غير أن ذلك، بحسب ما نقلته عنه، “لم يتحقق وذهب سدى”.

كما تناول الخطاب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على دول المنطقة، وخاصة سوريا ولبنان، إضافة إلى ما وصفه عطاف بالمساعي الرامية إلى تقسيم الصومال، لتؤكد الجزائر أن احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها لا يمكن أن يكون انتقائيا.

الصحراء الغربية.. الجزائر تعيد تثبيت المرجعية الأممية

وفي ملف الصحراء الغربية، كان موقف الجزائر واضحا في التمسك بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، والتأكيد على أن القضية تظل، وفق الموقف الجزائري، من قضايا تصفية الاستعمار التي لا تحسم بمنطق الأمر الواقع.

ونقلت وكالة الأنباء الصحراوية عن عطاف ترحيب الجزائر بإجراء مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع، المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، تحت رعاية الأمم المتحدة وبمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدا أن نجاح المسار التفاوضي يتطلب حسن النية وإرادة حقيقية للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين.

وبذلك وضعت الجزائر المسألة مجددا داخل الإطار الذي تتمسك به، أي المرجعية الأممية وعقيدة الأمم المتحدة في تصفية الاستعمار، مع التحذير من أي مسعى لتهميش الشعب الصحراوي وممثله جبهة البوليساريو.

إفريقيا والساحل.. الأمن لا ينفصل عن التنمية

وفي البعد الإفريقي، لم تكتف كلمة الجزائر بتجديد المطالبة بتمثيل القارة داخل مجلس الأمن، بل قدمت أيضا مقاربتها للأزمات الأمنية والتنموية، خصوصا في منطقة الساحل.

وأكد عطاف أن الجزائر تنظر إلى الساحل باعتباره فضاء تتداخل فيه تحديات الأمن والتنمية والاستقرار، وأن مواجهة الإرهاب لا ينبغي أن تختزل في المقاربة الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى معالجة جذور عدم الاستقرار ودعم التنمية وتشجيع الحوار والمصالحة.

وتطرح الجزائر في هذا المجال مقاربة تجمع بين دعم أمن دول المنطقة ومرافقتها تنمويا وتشجيع المصالحة والحوار واحترام سيادة الدول وخيارات شعوبها.

من ليبيا إلى اليمن والسودان.. الحلول السياسية أولا

وامتد الخطاب إلى عدد من الأزمات العربية، حيث جددت الجزائر دعمها لحل سياسي سلمي وشامل في ليبيا يقوده الليبيون أنفسهم، مع التأكيد على أن إنهاء التدخلات الأجنبية يمثل عاملا أساسيا لإنهاء الانقسام وإعادة بناء دولة ليبية موحدة.

وفي هذا الملف تحديدا، نقلت BBC News عربي عن عطاف تأكيده أن “الليبيين هم الوحيدون الذين يستطيعون تقرير مصيرهم ومصير أمتهم ومستقبلهم”، بالتزامن مع تشديده على أن وقف التدخل الأجنبي في ليبيا يمثل مسألة مصيرية بالنسبة إلى البلاد والمنطقة.

كما أكدت الجزائر دعمها للسلطات الشرعية في اليمن والسودان، ولتطلعات شعبي البلدين إلى الأمن والاستقرار والوحدة.

الذكاء الاصطناعي.. الجزائر تتحدث عن مستقبل النظام الدولي

وفي ختام الكلمة، لم تتوقف الرسالة الجزائرية عند الحروب والنزاعات، بل انتقلت إلى أحد أبرز ملفات المستقبل: الذكاء الاصطناعي.

ودعت الجزائر إلى بناء تنظيم دولي متوازن ومسؤول لهذه التكنولوجيا، بما يضمن استفادة عادلة من إمكاناتها ويحافظ على سيادة الدول، حتى لا تتحول الثورة التكنولوجية إلى مجال احتكار.

وبين فلسطين والصحراء الغربية وإفريقيا والساحل وإصلاح الأمم المتحدة والذكاء الاصطناعي، قدمت الجزائر في نيويورك خطابا أرادت من خلاله تثبيت موقعها المعتاد كدولة تدافع عن تعددية الأطراف والقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وفي اليوم الذي اختتمت فيه الجمعية العامة نقاشها العام، كان صوت الجزائر حاضرا في تغطيات دولية رصدت أزمة الثقة التي تعصف بالنظام متعدد الأطراف، وربما لخصت وكالة أسوشيتد برس جانبا من الرسالة التي حملها عطاف عندما نقلت عنه الدعوة إلى تحويل استعادة الثقة من مجرد شعار إلى “عملية” فعلية.

ومن منبر الأمم المتحدة، لم تكتف الجزائر بوصف أزمات العالم، بل طرحت أسئلتها حول النظام الذي يديرها: من يطبق القانون الدولي؟ ومن يحدد الاستثناء؟ وهل يمكن أن يستمر نظام عالمي تتغير فيه القواعد بحسب موازين القوة؟

وهكذا جاءت كلمة الجزائر في نيويورك محملة برسائل تتجاوز حدود الملفات الإقليمية، لتضع أمام المجتمع الدولي صورة نظام يواجه أزمة ثقة، وتؤكد أن الجزائر اختارت أن يكون صوتها في الأمم المتحدة مرتبطا بالدفاع عن سيادة الدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والحوار كوسيلة لتسوية النزاعات، وإفريقيا كطرف فاعل في صياغة القرار الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: