الحدثالعالموطني

الجزائر والقارة الأفريقية.. استراتيجية الريادة وبناء القوة القارية الموحدة

تبنت الدبلوماسية الجزائرية في الآونة الأخيرة استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز الانخراط في العمق الأفريقي، حيث تجاوزت الأدوار التقليدية المرتبطة بالوساطة السياسية لتنتقل نحو بناء شراكات اقتصادية وتنموية متينة. هذا التوجه الاستراتيجي حول الجزائر العاصمة إلى قطب جاذب للقادة وصناع القرار في القارة السمراء، انطلاقاً من رؤية رئيس الجمهورية الذي يؤمن بضرورة تكريس الحلول الإفريقية للأزمات القارية. وقد تُرجم هذا المسار على أرض الواقع من خلال إطلاق استثمارات كبرى وتنظيم مؤتمرات دولية وازنة، تعكس رغبة الجزائر في دفع عجلة التكامل الإقليمي وتحقيق النهضة الاقتصادية الشاملة لدول القارة.

وقد كانت سنة 2025 محطة فارقة في هذا المسار، حيث احتضنت الجزائر المعرض الأفريقي للتجارة البينية (IATF 2025) في طبعته الرابعة، وهو الحدث الذي حقق أرقاماً غير مسبوقة بتوقيع عقود تجارية بلغت قيمتها الإجمالية 48.3 مليار دولار، متجاوزة التوقعات الأولية التي كانت عند 44 مليار دولار. ولم يقتصر الأمر على التجارة، بل امتد ليشمل قطاع الصحة من خلال “المؤتمر الوزاري الأفريقي حول الإنتاج المحلي للأدوية”، والذي توج بـ “إعلان الجزائر” الرامي إلى بناء سيادة صيدلانية قارية وتوحيد النظم الرقابية بين الدول.

على صعيد التمكين الشبابي والابتكار، برزت الجزائر كحاضنة للمؤسسات الناشئة الأفريقية عبر تنظيم “المؤتمر الأفريقي للمؤسسات الناشئة” بمشاركة أكثر من 200 مستثمر وعارض دولي. هذا التوجه يهدف إلى خلق نظام بيئي متكامل يربط المبتكرين الشباب في القارة بفرص التمويل والأسواق الدولية، مدعوماً بمبادرات تشريعية وطنية مثل قانون المقاول الذاتي الذي أُطلق في يناير 2024 لتسهيل العمل الحر والاندماج الاقتصادي. كما تواصل الجزائر تعزيز جاذبيتها الاقتصادية من خلال “مؤتمر أفريقيا للاستثمار والتجارة” الذي شهد في دوراته الأخيرة مشاركة أكثر من 40 دولة، ووقع خلاله ما يربو على 120 اتفاقية تعاون في مجالات متنوعة.

ولم يقتصر الالتزام الجزائري تجاه القارة بالتنظيم اللوجستي، بل شمل دعماً مالياً مباشراً عبر تخصيص مليار دولار لتمويل مشاريع تنموية في الدول الأفريقية من خلال الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي. هذا الدعم الذي يركز على البنى التحتية والقطاعات الحيوية، يأتي مكملاً لجهود سابقة شملت مسح ديون 14 دولة أفريقية بقيمة 1,5 مليار دولار، مما يرسخ صورة الجزائر كشريك متضامن يبحث عن الاندماج الحقيقي لا الاستقطاب الظرفي.

وتترجم الجزائر تحركاتها القارية برؤية استراتيجية تتجاوز المصالح الآنية نحو صياغة مستقبل “أفريقيا القوية والمتحدة”، حيث لم يعد دورها مقتصرًا على القيادة الإقليمية بل أضحى بمثابة المحرك الرئيسي لجرّ القارة نحو التحرر من التبعية وتحقيق السيادة الكاملة. إن هذا التوجه الجزائري يرتكز على عقيدة راسخة مفادها أن قوة الجزائر من قوة عمقها الأفريقي، وهو ما يفسر استماتتها في قيادة خطة مدروسة لتمكين القارة من انتزاع مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، لتصحيح الظلم التاريخي وضمان أن يكون لصوت أفريقيا وزنه في رسم السياسات العالمية.

لقد أثبتت الجزائر “حسن نية” مطلقة عبر تغليب لغة التنمية والأمن المشترك والاكتفاء الذاتي على أي اعتبارات أخرى، محولةً وعود التضامن إلى واقع ملموس يعيد بعث روح المنظمة الأفريقية كقوة جيوسياسية موحدة قادرة على فرض شروطها في المحافل الدولية، وحماية مقدرات الشعوب من أي استغلال خارجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: