
ألقى اليوم الثلاثاء الوزير الأول، السيد سيفي غريب، كلمة خلال افتتاح أشغال الدورة العشرين (20) للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-الموريتانية، هذا نصها:
باسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
- صاحب المعالي والأخ العزيز السيد المختار ولد أجاي، الوزير الأول بالجمهورية الإسلامية الموريتانية الشقيقة،
- أصحاب المعالي السادة الوزراء،
- أصحاب السعادة،
- السيدات الفضليات والسادة الأفاضل،
بداية، يطيب لي ونحن نفتتح أشغال الدورة العشرين للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-الموريتانية للتعاون، أن أجدّد الترحيب بكم في بلدكم الجزائر، متمنياً لكم إقامة طيبة، ولأشغال لجنتنا الكبرى كامل التوفيق وتمام النجاح، آملين أن تُسهم مداولاتها ونتائجها في تعزيز صرح علاقاتنا الأخوية بما يوطد عُراها ويُوسع مجالاتها، خدمة لتطلعات شعبينا الشقيقين لمزيد من التعاون والشراكة بينهما.
لقد بلغت علاقات التعاون والشراكة بين بلدينا الجارَيْن والشقيقين مستويات متميزة، إذ تشهد انجازات جديدة واتصالات كثيفة وتشاوراً وتنسيقاً متواصلَيْن من خلال تبادل الزيارات الرسمية على مختلف المستويات، عملاً بالتوجيهات السامية لقائدي بلدينا، رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، وأخيه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وتجسيداً لإرادتهما الراسخة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى أسمى المراتب.
معالي الوزير الأول،
السيدات الفضليات والسادة الأفاضل،
لا يخفى علينا جميعا أن دورتنا هذه تلتئم في ظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسيَّة، تطبعها تحديات أمنية متعاظمة، تفرض علينا أكثر من أي وقت مضى، تعزيز التنسيق والتعاون وفق رؤية متكاملة ومُتَبَصِّرة، ترتكز على الحوار والتنسيق وتبادل التجارب والخبرات خاصة بين أجهزتنا الأمنية.
وفي هذا السياق، أودُّ أن أشيد بالنتائج الإيجابية والـمُرْضِيَةِ التي تحققت في العديد من مجالات التعاون، وفي مقدمتها الميدان العسكري والأمني، من خلال التوقيع على اتفاق التعاون في مجال الدفاع في أفريل 2025، وتفعيل اللجنة الأمنية المشتركة، التي التأمت أشغالها بالجزائر في جويلية 2025، والتي تمَّ بموجبها إنشاء لجنة مختصة بمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، انعقد أول اجتماع لها بنواكشوط في نوفمبر 2025.
ولا تقتصر الديناميكية المتسارعة التي تشهدها العلاقات الثنائية على الجانب العسكري والأمني فحسب، بل تعدَّتها إلى مجالات أخرى هامَّة على غرار التعاون البرلـماني الذي شهد يومي 13 و14 فيفري 2026، انعقاد الدورة الأولى للجنة البرلمانية الكبرى. ويعكس إنشاء هذه الآلية المكانة الخاصة التي تحظها بها العلاقات الثنائية، حيث تُعدُّ موريتانيا أول دولة يُؤسس معها آلية رفيعة المستوى في هذا المجال.
كما أُثمِّنُ عالياً في هذا المقام، الخطوات العملية والمتقدمة لإنجاز المشاريع التكاملية والاندماجية التي اتفق رئيسا بلدينا على إطلاقها، وهو ما جعل من الحدود الجزائرية-الموريتانية اليوم مجالاً للتكامل الاقتصادي، الذي يشهد نمواًّ ملموساً، عزَّزَهُ فتحُ المعبرين الحدوديين تحت إشراف قائديْ البلدين في فيفري 2024.
ويأتي في مقدمة هذه المشاريع، المشروع الإستراتيجي لإنجاز الطريق البري تندوف-الزويرات، الذي سيساهم في تعزيز التكامل والشراكة بين البلدين وخلق حركية تنموية في المناطق التي سَيَعْبُرُ من خلالها، وكذا مشروع المنطقة الحرة للتبادل التجاري والصناعي التي تجاوزت نسبة إنجازها 50 بالمائة، فضلاً عن عدد من المشاريع الأخرى ذات الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، التي تم الانتهاء من كافة الدراسات التقنية الخاصة بها، بمختلف مراحلها، وسيتم الانطلاق في إنجازها في الفترة القريبة القادمة، وهي مشاريع ستساهم لا محالة في تعزيز أواصر الأخوة والتضامن بين شعبي بلدينا الشقيقين.
معالي الوزير الأول،
السيدات الفضليات والسادة الأفاضل،
إن التعاون في المجالات الاقتصادية والفنية يشكل ركيزةً مهمةً في بُنْيَةِ العلاقات الثنائية، وهو ما تعكسه الحركية التي يشهدها التعاون في العديد من المجالات الحيوية وعلى رأسها قطاع الطاقة، حيث تُجدِّد الجزائر التأكيد على استعدادها التام لتقاسم خبراتها التقنية والصناعية ومرافقة الأشقاء في موريتانيا في مساعيهم الرامية إلى تعزيز قدراتها الوطنية في مجالات استكشاف وإنتاج المحروقات وتطوير مشاريع الغاز وسلسلة القيم ونشاطات الـمَصَبّ.
أما في ميدان المناجم، فقد آن الأوان لبلدينا لوضع تصور مشترك لإرساء تعاون مفيد للطرفين، ومن ثَمَّ استغلال ما يزخر به بلدانا من ثروات معدنية هامة.
وعلى الصعيد التجاري، حقَّق التبادل التجاري بين بلدينا بعض التقدم في السنوات القليلة الماضية، ليصل إلى غاية 447.8 مليون دولار في 2023، وناهز حوالي 352 مليون دولار سنة 2025.
وعليه، يتعيَّنُ مواصلة العمل من أجل رفع وتنويع المبادلات التجارية، خاصة في ظلِّ توفر الإرادة السياسية وحيازة البلدين على إمكانيات ومزايا هامة، وفي مقدمتها الجوار الجغرافي ووجود خط بحري لنقل السلع والبضائع، دخل حيز الخدمة منذ فيفري 2022.
ومن هذا المنطلق، أود التأكيد على أهمية دراسة سبل تعزيز هذه الحركية ومُرافقتها، خاصة من خلال تفعيل جمركة السلع والبضائع الجزائرية على مستوى المعبر الحدودي البري الموريتاني، بالإضافة إلى ضرورة استكمال دراسة مشروع الاتفاق التجاري التفاضلي الذي يشكل فرصة هامة،يمكن أن تساهم في تطوير وانسيابية الحركية التجارية، خاصة مع الدخول المرتقب لـمشروع المنطقة الحرة للتبادل التجاري والصناعي حيز الخدمة.
وعلاوة على ذلك، فإن عوامل أخرى ستساهم لا محالة في دعم حركية المبادلات التجارية، على غرار المعرض الخاص بالمنتجات الجزائرية، المنظم سنويا بنواكشوط، والذي حققت طبعتُه السابعة، المنعقدة في ماي 2025، أرقاماً جيدة تبعث على التفاؤل، من خلال مشاركة أزيد من 219 شركة جزائرية، إضافةً إلى عقد الدّورة التاسعة لمجلس الأعمال الجزائري-الموريتاني في نواكشوط في نفس الشهر، والتي تم خلالها التوقيع على أربعة وأربعين (44) اتفاقية.
ومن هذا المنطلق، فإننا نتطلع إلى أن تُسهم الدورة القادمة لهذا الـمعرض، والتي ستُنظَّم خلال الفترة من 5 إلى 11 ماي 2026، في تعزيز مكانة هذا الحدث بكونه موعداً اقتصادياً هاماً يجمع المتعاملين في كلا البلدين في إطار تجسيد الإرادة المشتركة الرامية إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية وتكثيف وتنويع مجالات التعاون بين بلدينا.
وعلى غرار التعاون في المجال التجاري، فإننا نتطلع في الجزائر إلى الارتقاء بمستوى التعاون في مجال الاستثمار إلى المستويات المطلوبة، التي تعكسُ قوة ومتانة العلاقات الجزائرية – الموريتانية، خاصة مع توفر المؤسسات المالية المساعدة على بلوغ هذا المسعى وفي مقدمتها تواجد “بنك الإتحاد الجزائري” بموريتانيا. ومن هذا المنطلق، فإنني أدعو مؤسسات القطاع العام ورجال الأعمال في كلا البلدين إلى العمل على استكشاف الفرص الاستثمارية المتاحة للرفع من حجم الاستثمارات البينية التي لازالت متواضعة، لاسيما في إطار مجلس الأعمال الجزائري-الموريتاني الذي سيلتئم على هامش دورتنا هذه.
معالي الوزير الأول،
السيدات الفضليات والسادة الأفاضل،
إنكم دون شك تشاطرونني الرأي بأن مسيرة التعاون والتكامل، لن تكتمل دون إيلاء الموارد البشرية المكانة التي تستحقها، وهذا لن يتأتى إلا عبر تكثيف تبادل الدورات التكوينية، وزيادة مستوى التفاعل بين الشباب والطلبة منالبلدين.
وفي هذا السياق، فإن الجانب الإنساني يشكل جوهر العلاقة المتينة باعتباره الأساس الحقيقي والقويَّ للتواصل والتضامن بين بلدينا الشقيقين، وامتداداً للروابط الثقافية والروحية التي جمعت البلدين على مرِّ العصور، والتيساهمت في تكوين إرثٍ مشترك جزائري موريتاني، بصفحاته المشرقة التي ما تزال مورداً خصباً لتجديد العهد وتوطيد التواصل وتأكيد العزيمة على بناء حاضر ومستقبل مشترك نتطلع إليه بكل تفاؤل.
في هذا السياق، ستواصل الجزائر -كما عهدتموها دائماً- المساهمة في تكوين الشباب والطلبة الموريتانيين في مختلف المجالات.
واستمراراً لهذا النهج، فقد بادرت الجزائر برفع حصة موريتانيا بموجب البرنامج التنفيذي المؤطر حاليا لحركة الطلبة بين البلدين، لتبلغ 350 منحة في طور الماستر والدكتوراه، و60 منحة في مجال التكوين المهني بعنوان سنة 2025-2026، بالإضافة إلى عدد هام من التربصات والتكوينات قصيرة وطويلة المدى في قطاعات الطاقة والمالية والعدل والأشغال العمومية والثقافة وغيرها من المجالات الأخرى.
أما في مجال دعم قدرات القطاع الصحي، فأودُّ أن أعرب عن ارتياحي للحركيَّة الكثيفة والـمتصاعدة التي يعرفها التعاون في هذا الـمجال، من خلال العديد من البعثات الطبية الموفدة من البلدين.
معالي الوزير الأول،
السيدات الفضليات والسادة الأفاضل،
ستتيح هذه الدورة الفرصة لتعزيز وتطوير الإطار القانوني للتعاون الثنائي وتوسيع مجالاته، من خلال التوقيع على العديد من النصوص القانونية التي تشمل مختلف المجالات الاقتصادية كالطاقة، والصناعة، والسياحة، والبيئة، والمجالات الاجتماعية والثقافية كالشباب، والعمل والتشغيل، والاتصال والثقافة، والتربية.
وعليه، يتعين مضاعفة الجهود خلال الفترة الـمقبلة لـمتابعة تنفيذ ما جاء في هذه النصوص واستغلالها على أحسن وجه لتعميق التعاون وفتح آفاق جديدة للمتعاملين من الجانبين على درب بناء الشراكة التكاملية والاندماجية التي ينشدها بلدانا على مختلف الأصعدة، انسجاماً مع الإرادة السياسية التي تحدو قيادتي بلدينا وتحقيقا لتطلعات شعبيهما الشقيقين لبناء مستقبل مزدهر.
ومن أجل تنسيق هذه الجهود، يتعين علينا وضع خارطة طريق، بجدول زمني محدد، لتجسيد مخرجات هذه اللجنة ومتابعة تنفيذها في كل المحاور. كما أحثُّ كافة القطاعات والفاعلين في بلدينا على الإسراع في إطلاق ديناميكية قويَّة من شأنها أن تجعل من التعاون القطاعي قاطرة للتنمية والاستثمار في الجزائر وموريتانيا، وذلك عبر الانتقال من المقاربة الكمِّية إلى المقاربة النوعية والكيفية القائمة على تطوير مشاريع في المجالات الحيوية والإستراتيجية، على غرار الطاقة والفلاحة والصيد البحري والثروة الحيوانية والموانئ والإنتاج الصيدلاني وغيرها من المجالات الهامة الأخرى.
وقبل أن أختتم كلمتي، أتوجه بالشكر والتقدير للجنة المتابعة التي ترأسها مناصفةً وزيرا الشؤون الخارجية لبلدينا، معالي السيد أحمد عطاف ومعالي السيد محمد سالم ولد مرزوك، اللذان أشرفا باقتدار على اجتماعات لجان الخبراء وكبار المسؤولين طيلة الأيام الثلاثة الماضية، بما أتاح لنا اليوم الوقوف بارتياح على النتائج الـمُتوصل إليها والـمدونة في محضر الدورة الحالية، فضلا عن الاتفاقات التي سيتم التوقيع عليها بالمناسبة.
وفي الختام، أجدد الترحيب بكم، معالي الوزير الأول والوفد المرافق لكم، راجيا كل التوفيق والنجاح لأشغالنا دورتنا هذه لما فيه خير ومصلحة بلدينا وشعبينا الشقيقين.
شكرا على حسن الإصغاء والسـلام عليكـم ورحـمـة الله وبـركاتـه.














