الجزائر خارج ميزان المقارنات ..تاريخٌ ممتد وسيادةٌ متجذرة

لا مجال للمقارنة، لا في ميزان التاريخ ولا في منطق السياسة ولا في معيار العمق الحضاري، بين الجزائر، الدولة الضاربة جذورها في آلاف السنين من تاريخ المنطقة، وبين كيان سياسي حديث النشأة لم يظهر على الخارطة إلا خلال العقود الأخيرة، فالمقارنة بينهما ليست مجرد مقارنة غير متكافئة، بل هي وضع لتجربة حضارية ودولية متراكمة عبر آلاف السنين في كفة، ودويلة حديثة التكوين في كفة أخرى، وهو ما يسقط من الأساس أي محاولة لإيجاد تماثل تاريخي أو سياسي بين الطرفين.
فهذا العمق الجزائري لا يبدأ من مرحلة الاستقلال الحديث، بل يمتد إلى ما قبل نشوء كثير من الكيانات السياسية المعاصرة بقرون طويلة، ففي قلب الصحراء الجزائرية، تقف سيفار في التاسيلي ناجر بما تختزنه من رسومات ونقوش صخرية شاهدة على حضور الإنسان القديم وتطور أنماط الحياة والحضارة منذ آلاف السنين، لتشكل إحدى أبرز صفحات التاريخ الإنساني في المنطقة، ومن هذا الامتداد التاريخي تشكلت جذور الهوية الأمازيغية، وتبلورت لاحقا كيانات سياسية منظمة كان من أبرزها مملكة نوميديا، التي جعلت من شمال إفريقيا فضاء فاعلا في التفاعلات السياسية والعسكرية في العالم القديم.
ولم يكن هذا الإرث مجرد بقايا حضارية محفوظة في النقوش والآثار، بل تحول عبر العصور إلى حضور سياسي وسيادي متواصل. ففي العصر الحديث برزت الجزائر قوة بحرية وازنة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وفرض أسطولها حضوره في الملاحة الدولية، خاصة خلال الفترة التي ارتبط فيها اسم الرايس حميدو بالقوة البحرية الجزائرية، وكانت الجزائر آنذاك تُخشى بحيث دخلت في علاقات ومعاهدات مع قوى ودول كبرى، وهو ما يعكس حضورها كطرف فاعل في النظام الدولي لذلك العصر، في وقت كانت لم تكن فيه بعض الـدويلات قد وجدت بعد في الخارطة السياسية.
ثم جاء الاحتلال الفرنسي ليضع هذا الإرث أمام اختبار تاريخي جديد، فكانت المقاومة الشعبية تعبيرا عن رفض متواصل لاقتلاع السيادة، من مقاومات عديدة إلى مشروع الدولة الذي حمله الأمير عبد القادر، وصولا إلى ثورة التحرير التي جسدت ذروة النضال الوطني الجزائري، وفي هذه المسيرة برزت أسماء وقادة أصبحوا رموزا للتحرر ، من ديدوش مراد والعربي بن مهيدي وسي الحواس إلى العقيد عميروش وزبانة وغيرهم كثيرون رحمهم الله، في ثورة تحولت إلى واحدة من أبرز ملاحم التحرر في القرن العشرين.
وعليه، فإن من يضعون اليوم الجزائر في مقارنة ندية مع كيان حديث النشأة يتجاهل أبسط قواعد القراءة التاريخية والسياسية، فالدولة التي تشكلت هويتها عبر تراكم حضاري وسياسي ونضالي امتد من العصور القديمة إلى الدولة الوطنية الحديثة، لا يمكن اختزالها في لحظة سياسية معاصرة ثم وضعها في الميزان نفسه مع كيان لم يتجاوز عمره السياسي بضعة عقود، فاختلاف العمق الزمني، وتراكم التجربة السياسية، واستمرارية الحضور الحضاري، كلها عناصر تجعل المقارنة فاقدة لأساسها قبل أن تبدأ.
إن المسألة، في نهاية المطاف، ليست في محاولة ترجيح كفة على أخرى، بل في إدراك أن الكفتين لا تنتميان أصلا إلى المستوى التاريخي نفسه: الجزائر نتاج تاريخ طويل من الحضارة والسيادة والمقاومة وبناء الدولة، أما الكيانات السياسية الحديثة فتُقرأ ضمن ظروف نشأتها وسياقاتها الزمنية المحددة، ولذلك، فإن أي محاولة لتسوية الفارق بينهما أو تقديمهما باعتبارهما تجربتين تاريخيتين متماثلتين، لا تصمد أمام القراءة الموضوعية للتاريخ ولا أمام أبسط معايير التحليل السياسي، فلا مجال للمقارنة إذاً……














