
خلصت أشغال الجامعة الصيفية الأولى للصحفيين الجزائريين بوهران إلى جملة من التوصيات الرامية إلى تعزيز دور الإعلام الوطني في مواجهة التضليل الإعلامي وحروب السرديات، وتطوير قدرات الصحفيين في البيئة الرقمية، وترسيخ أخلاقيات المهنة، إلى جانب دعم صناعة المحتوى الوطني وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين في القطاع.
وجاءت هذه التوصيات في ختام أشغال الجامعة الصيفية، التي شكلت فضاء للتكوين والنقاش وتبادل الخبرات حول التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي، لاسيما في ظل التطور المتسارع للمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وتنامي انتشار الأخبار المزيفة والمحتويات المضللة.
أولا: في مجال الرصد والاستباق ومواجهة التضليل
وفي مجال الرصد والاستباق ومواجهة التضليل، أوصى المشاركون بـإنشاء مرصد وطني مختص في محاربة التضليل الإعلامي وحروب السرديات، يعمل بصفة دائمة ومهنية، ويضم صحفيين وخبراء في الإعلام والاتصال والتكنولوجيا والبيانات والأمن الرقمي والجامعة، يتولى رصد المحتويات المضللة وتحليل اتجاهاتها ومصادرها وآليات انتشارها.
كما أوصوا بـإنشاء آلية للرصد والتبليغ وفضح الأخبار المزيفة، إلى جانب إعداد تقارير ودراسات دورية حول أبرز اتجاهات التضليل الإعلامي وحروب السرديات في البيئة الرقمية، والاستفادة منها في تطوير أداء المؤسسات الإعلامية.
وشددت التوصيات على ضرورة تطوير آليات مهنية للرد السريع على الأخبار المضللة، تقوم على تقديم المعلومة الصحيحة والوثيقة والمصدر الأصلي، بعيدا عن التهويل أو إعادة نشر المحتوى المضلل بصورة تساعد على انتشاره.
كما دعت إلى الانتقال من منطق نفي الإشاعة إلى صناعة المحتوى الاستباقي، أي أن يكون الإعلام حاضرا بالمعلومة قبل أن تترك مساحة للتأويل والإشاعة.
ثانيا: في مجال التكوين والتأهيل
وفي مجال التكوين والتأهيل، أوصى المشاركون بإدراج التحقق الرقمي ضمن التكوين الأساسي والمستمر للصحفيين، باعتباره مهارة مهنية أساسية وليست اختيارية.
كما دعوا إلى تنظيم دورات متخصصة في أدوات التحقق من المعلومات، تشمل التحقق من الصور والفيديوهات، وتحديد مصادر المحتوى، وتحليل الحسابات، وتتبع البيانات الرقمية، والتحقق الجغرافي والزمني للمحتويات.
وأكدت التوصيات أهمية تكوين الصحفيين في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة أدوات البحث والتحقق وتحليل البيانات وإنتاج المحتوى، مع التعريف بمخاطر التزييف العميق والمحتويات الاصطناعية.
كما دعت إلى تطوير تكوين متخصص في صحافة البيانات، وتمكين الصحفيين من قراءة وتحليل الأرقام والإحصائيات والوثائق الرسمية وتحويلها إلى مضامين صحفية مفهومة وقابلة للتحقق، إلى جانب إطلاق برامج تكوين دورية لفائدة الصحفيين الشباب، بما يضمن نقل الخبرات المهنية والتكنولوجية إلى الأجيال الجديدة.
ثالثا: في مجال صناعة المحتوى والسردية الوطنية
وفيما يتعلق بصناعة المحتوى والسردية الوطنية، دعت التوصيات إلى الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة الإعلامية، عبر إنتاج محتويات استباقية تشرح القضايا الوطنية وتقدم المعطيات والوثائق للرأي العام قبل ترك المجال للمصادر غير الموثوقة.
كما أوصى المشاركون بتعزيز الصحافة التفسيرية والتحليلية والتحقيقات المهنية، باعتبارها أدوات أساسية لفهم الأحداث ومواجهة الروايات المبسطة والمضللة.
وفي السياق ذاته، تم التأكيد على ضرورة تطوير محتوى إعلامي وطني متعدد اللغات، قادر على الوصول إلى الجمهور الدولي، والتعريف بالجزائر ومواقفها ومؤسساتها ومقوماتها من خلال معلومات موثوقة ومحتوى مهني حديث.
كما دعت التوصيات إلى الاستثمار في المنصات الرقمية وتطوير أشكال جديدة للمحتوى، بما يتلاءم مع طبيعة الجمهور الرقمي وسرعة استهلاك المعلومات، دون التفريط في الدقة والمصداقية.
رابعا: في العلاقة بين الإعلام والجامعة والمؤسسات
وبخصوص العلاقة بين الإعلام والجامعة والمؤسسات، أوصى المشاركون ببناء شراكة مستدامة بين المؤسسات الإعلامية والجامعة ومراكز البحث، لتطوير الدراسات والأبحاث المتعلقة بالإعلام الرقمي والتضليل وحروب السرديات والذكاء الاصطناعي.
كما دعوا إلى تشجيع تبادل الخبرات بين المؤسسات الإعلامية الجزائرية وإنشاء شبكات مهنية للتعاون في مجالات التحقق الرقمي وصحافة البيانات والتكوين.
خامسا: في مجال أخلاقيات المهنة والثقة في الإعلام
وفي مجال أخلاقيات المهنة والثقة في الإعلام، شددت التوصيات على تعزيز الالتزام بأخلاقيات المهنة الصحفية، خاصة الدقة والموضوعية والتحقق واحترام الحياة الخاصة وحقوق الأفراد وحق الرد.
كما أوصت بوضع ميثاق مهني للتعامل مع المعلومات غير المؤكدة، يحدد بوضوح كيفية التحقق منها، ومتى يجوز نشرها، وكيفية تصحيح الأخطاء عند وقوعها.
ودعت أيضا إلى عدم التعامل مع المحتويات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها مصادر إخبارية تلقائيا، وإنما إخضاعها للتحقق قبل النشر.
كما أكدت أهمية حماية الصحفي وتحسين ظروف ممارسة المهنة، بما يسمح له بأداء دوره في البحث والتحقق والوصول إلى المعلومات باستقلالية ومسؤولية.
سادسا: في مجال التنظيم واستمرارية الجامعة
وفي مجال التنظيم واستمرارية الجامعة الصيفية، أوصى المشاركون باعتماد الجامعة الصيفية للصحافيين الجزائريين موعدا سنويا ثابتا، وتحويلها إلى فضاء وطني دائم للتكوين والنقاش وتقييم التحولات التي يعرفها قطاع الإعلام.
كما دعوا إلى تنظيم ورشات تطبيقية متخصصة على مدار السنة في التحقق الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وصحافة البيانات، والإعلام متعدد المنصات، والأمن الرقمي، وصناعة المحتوى.
وتضمنت التوصيات إعداد “دليل مهني للصحفي في البيئة الرقمية”، يتضمن قواعد التحقق من الأخبار والصور والفيديوهات والحسابات والمصادر، وأفضل الممارسات في استخدام الذكاء الاصطناعي.
وفي السياق ذاته، دعت الجامعة الصحفيين وممثلي جميع وسائل الإعلام بأنواعها إلى الانخراط في مواقع التواصل الاجتماعي بأنواعها، بما يعزز السردية الوطنية ويقوض السرديات المعادية.
كما أوصت باسترجاع الدور الريادي للصحفيين في المجتمع، ودعوة عمداء المهنة من أجل تكوين الجيل الصاعد من الإعلاميين.
وشددت التوصيات كذلك على استلام زمام المبادرة وتنظيم لقاءات صحفية ونقاشات تحت راية المنظمة الوطنية للصحفيين، من أجل المشاركة في المبادرات الوطنية والحضور المؤثر أثناء الأفراح والأقراح.
كما دعت مهنيي الصحافة إلى استحداث الدليل الوطني الجزائري لتطوير النشر في مواقع التواصل الاجتماعي وتنظيمه وفق أدبيات وأخلاقيات المهنة.
وفي الإطار نفسه، تضمنت التوصيات إنشاء الرادار الوطني للتبليغ عن الأخبار المزيفة والمغلوطة والمفبركة وكشفها والرد عليها.
سابعا: في مجال التكوين وتوسيع شبكة التواصل المهني
وفي مجال التكوين، دعت التوصيات إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة الصحفيين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي والطلبة الجدد والمقبلين على مهنة الإعلام.
كما أوصت باستحداث همزة وصل للمؤثرين في مختلف المجالات تحت راية المنظمة الوطنية للصحفيين، وتثمين مضامينهم الإيجابية وإعادة نشرها والتشجيع عليها فيما يخدم مصلحة الجزائر.
ودعت أيضا إلى استحداث جسر تواصل وتنسيق للاستفادة من الخبرات المكمونة لدى تجربة الإعلاميين الجزائريين في مختلف وسائل الإعلام في الخارج.
كما أوصت باستحداث وتطوير آليات الانتشار الإلكتروني، وتشجيع الصحفيين على دورات تكوينية مختصة في تقنيات الظهور في محركات البحث وتقنيات النشر في مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي السياق ذاته، شددت التوصيات على تثمين كل فضاءات الحوار والتكوين والتشاور، وتجنيب الصحفيين من أجل المصلحة العليا للوطن وللمهنة وللصالح العام.
كما دعت إلى إعادة تفعيل دور المكلف بالإعلام في الهيئات الرسمية وغير الرسمية، والحرص على تقديم المعلومة في وقتها.
وأكدت، في السياق نفسه، ضرورة إعادة العمل بتراتبية النشر في المؤسسات الإعلامية، ووضع حد للممارسات الخاطئة، وعلى رأسها النشر المباشر دون التدقيق والتحقق والتصحيح.
وأكدت المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين، من خلال هذه التوصيات، أهمية مواصلة العمل على تطوير الممارسة الإعلامية ومواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية، بما يعزز مكانة الصحفي ودور المؤسسات الإعلامية في خدمة المجتمع والمصلحة العليا للوطن، ويكرس إعلاما مهنيا قادرا على مواجهة التحديات الجديدة التي تفرضها البيئة الرقمية.














