الحدثالعالم

خريف النفوذ: لماذا باتت “الوساطة الإماراتية” ورقة محترقة في العواصم المتأزمة؟

لم يعد خافياً أن الطموحات التوسعية لأبوظبي بدأت تصطدم بجدار سميك من الرفض السيادي، حيث تتحول الصورة الذهنية للإمارات في عدة عواصم من “شريك تنموي” إلى “طرف متدخل” غير مرحب به يثير الريبة في الملفات الحساسة. إن حالة الانحسار في القبول الإماراتي لم تعد مجرد همس في أروقة الدبلوماسية، بل أصبحت صرخات علنية ترفض ما يوصف بـ “الأجندات العابرة للحدود” التي تقتات على النزاعات الداخلية وتغذي الانقسامات لتوسيع رقعة النفوذ. هذا التآكل في الثقة الإقليمية جعل من الحضور الإماراتي في أي طاولة مفاوضات عبئاً على الحل لا مفتاحاً له، بعدما تكررت الاتهامات لها بصب الزيت على نيران الصراعات بدلاً من إطفائها.

وفي هذا السياق المتوتر، جاءت اليوم صرخة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان من قلب “أم درمان” لتضع النقاط على الحروف، معلنةً بوضوح لا يقبل التأويل أن السودان وضع “فيتو” نهائياً على أي دور إماراتي في مستقبل البلاد. لم يكن تصريح البرهان مجرد موقف عسكري عابر، بل كان إعلاناً صريحاً بأن الإمارات باتت “خصماً” في نظر الدولة السودانية، متهماً إياها بدعم “مليشيا التمرد” التي تروع الآمنين وتحتل المدن. إن استبعاد أبوظبي من الوساطة يمثل ضربة شديدة لاستراتيجية “القوة الناعمة” الإماراتية، ويؤكد أن الخرطوم قررت قطع الخيوط التي تحاول من خلالها الأطراف الخارجية التلاعب بمصير السودانيين.

هذه “القطيعة السيادية” التي أعلنها البرهان، بربطه أي وقف لإطلاق النار بانسحاب المليشيات وتجميعها في مناطق محددة، تهدف إلى قطع الطريق أمام أي تسويات مشبوهة قد تُطبخ في كواليس العواصم التي تدعم التمرد – حسب الرواية الرسمية. ومن خلال توجيه رسائل لاذعة لمن وصفهم بـ “المتسولين” الذين يسيئون للشعب السوداني، وضع البرهان حداً فاصلاً بين من يقف مع الدولة وبين من يعمل كأداة لمشاريع إقليمية تهدف لتفتيك المؤسسات الوطنية. إن الرهان السوداني اليوم انتقل إلى الداخل، عبر استكمال الانتقال وتشكيل مجلس تشريعي يمثل الشباب ولجان المقاومة، بعيداً عن الوصاية الخارجية التي أثبتت التجارب أنها لا تجلب سوى الدمار والارتهان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: