
في لقاء إعلامي دوري اتّسم بصراحة الطرح وكثافة الرسائل، رسم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون معالم مرحلة اقتصادية وتنموية جديدة، مؤكّدًا أن تدشين الخط المنجمي الغربي غارا جبيلات-تندوف-بشار لا يندرج في إطار إنجاز تقني معزول، بل يُجسّد خيارًا استراتيجيًا سياديًا يعكس إيمان الدولة بقدراتها ورجالها، ويترجم معركة من معارك بناء الوطن التي خاضها عظماء الجزائر وتسير فيها الأجيال الحالية على خطاهم، مشددًا على أن صدى هذا المشروع في التحاليل العالمية عبر القارات الخمس يؤكد أهميته وجدواه، ليس فقط في استغلال خام الحديد، بل في فك العزلة عن مناطق عزيزة كولاية تندوف، وفتح آفاق تنموية وبشرية واسعة في آجال زمنية قياسية غير مسبوقة.
وأوضح رئيس الجمهورية، خلال اللقاء الذي جمعه مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، المذاع سهرة السبت عبر القنوات العمومية، أن الخط السككي الجديد يشكل لبنة أولى في مشروع وطني متكامل سينطلق من السكة الحديدية الغربية، ليرتبط مستقبلاً بسكة بلاد الحدبة – تبسة وصولاً إلى عنابة، مبرزًا أن إدماج المناطق المعزولة في الشبكة الوطنية للسكك الحديدية خيار لا رجعة فيه تكريسًا للوحدة الوطنية، ومؤكدًا عزمه على إيصال القطار إلى تمنراست، حيث يرتقب وفق تصريح الرئيس ” في حال سارت الأشغال كما هو مخطط، يمكننا استغلال خط تمنراست-الجزائر العاصمة لنقل المسافرين مع أواخر سنة 2028، فيما يُنتظر استكمال ربط الشمال بأدرار نهاية 2026 وبداية السداسي الأول من 2027، مع تسعيرة اجتماعية معقولة، إذ حُدد سعر تذكرة الدرجة الأولى بين تندوف وبشار بـ1700 دينار، بما يخفف الأعباء عن المواطنين مقارنة بالنقل الجوي”.
وفي الشق الاقتصادي، شدّد الرئيس تبون على أن تحول الجزائر إلى دولة ناشئة يمر حتميًا عبر تنويع الاقتصاد واستغلال الثروات المنجمية، حتى لا تبقى البلاد رهينة تقلبات أسعار المحروقات التي تُحدَّد خارج إرادتها، موضحًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تصدير الخام، بل في تحويله محليًا، وهو ما سيمكن الجزائر، خلال ثلاث سنوات كأقصى تقدير، من التوقف نهائيًا عن استيراد خام الحديد، الذي يكلف الخزينة سنويًا نحو 1.5 مليار دولار، مع إمكانية تعويض جزء معتبر من مداخيل المحروقات عبر تصدير منتجات الحديد الموجهة للبناء والصفائح، لاسيما بعد دخول مشروع “توميت” ببشار حيّز الاستغلال، الذي يسمح بتنظيف الخام وتحويله إلى حبيبات أو صفائح صغيرة، ما يسهل نقله واستعماله صناعيًا ويدمج الجزائر في اقتصاد العملة الصعبة.
وأكد رئيس الجمهورية أن كل التقارير المتخصصة، بما فيها تقرير حديث لمكتب دراسات إسباني، أجمعت على المردودية العالية لمنجم غارا جبيلات ونوعية الحديد الراقية المستخرجة منه، معتبرًا أن إنكار جدوى المشروع لا يصدر إلا عن جاحدين، ومشيرًا في الوقت ذاته إلى البعد الاجتماعي الكبير لهذا الإنجاز، الذي أفرز أولى ثماره بتوظيف 500 عامل في تسيير الخط السككي، مع توقعات ببلوغ 18 ألف منصب شغل، واصفًا ذلك بثروة حقيقية لا تُقاس بأي ثمن، ومؤكدًا أن قلة من الدول قادرة على تجسيد مشاريع بهذا الحجم وفي آجال قياسية، حيث تم إنجاز 22 كلم من الجسور والخط السككي في ظرف 22 شهرًا فقط، مقارنة بمرحلة سابقة كان إنجاز جسر بطول 300 متر يتطلب مناقصات طويلة، بينما أنجزت الجزائر اليوم جسرًا بطول 4 كلم في ستة أو سبعة أشهر.
وفي سياق متصل، كشف رئيس الجمهورية عن الخطوات المقبلة في مسار استغلال الثروات المنجمية، وعلى رأسها مشروع الرصاص والزنك في واد أميزور – تالا حمزة بولاية بجاية، محددًا أواخر مارس 2026 موعدًا لانطلاق الاستغلال، مع التأكيد على اعتماد مقاربة تشاركية تراعي خصوصيات المنطقة وسكانها، باعتبار أن أي مشروع وطني لا يمكن أن يُفرض رغمًا عن المواطن، فضلًا عن تسريع مشروع إيصال فوسفات بلاد الحدبة إلى رصيف عنابة على مسافة تقارب 450 كلم، لم يتبقَ منها سوى 175 كلم في مناطق وعرة تتطلب أنفاقًا وجسورًا، مع هدف استغلال الفوسفات خامًا وتحويله جزئيًا نهاية 2026 وبداية 2027، تمهيدًا لتعزيز الحضور الجزائري في السوق العالمية، خاصة وأن الزنك والفوسفات من المواد ذات الطلب المرتفع والقيمة العالية.
وعلى الصعيد الاجتماعي والمالي، شدّد رئيس الجمهورية على ضرورة مراجعة سياسة الدعم الاجتماعي لتحقيق العدالة، من خلال إعادة توجيهه إلى مستحقيه بالاعتماد على الرقمنة الشاملة التي ستخضع لها كل الإجراءات مع نهاية 2026، مشيرًا إلى تسجيل تبذير كبير خلال شهر رمضان أدى إلى إهدار ملايين الدولارات، ما يستوجب وعيًا جماعيًا وترشيدًا للاستهلاك، مؤكدًا في المقابل أن القدرة الشرائية مضمونة بالنسبة للمواد الأساسية، وأن الدولة رفعت الأجور بنحو 50 بالمائة، وحافظت على قيمة الدينار، وامتصت الصدمات الاقتصادية العالمية دون اللجوء إلى المديونية الخارجية. كما أكد الرئيس في حديثه على الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، مع نفيه القاطع لإقامة محطات دفع على الطريق السيار.
وختم الرئيس تبون مقابلته الإعلامية بالتأكيد على أن الجزائر بلغت مرحلة يُحسب لها ألف حساب، بدليل تحقيق 5 مليارات دولار صادرات خارج المحروقات لأول مرة منذ الاستقلال، وتحسن مستوى الشفافية في ظل وعي شبابي متصاعد، مشيرًا إلى أن بلوغ عتبة 400 مليار دولار مداخيل سيضع الجزائر فعليًا ضمن مصاف الدول الناشئة، مع الإبقاء على إمكانية اللجوء إلى الاقتراض من البنك الإفريقي لتمويل منشآت قاعدية كبرى دون المساس بالمواقف المبدئية للجزائر، وفي مقدمتها الدفاع عن القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن الجزائر، التي وصفها ببلد المعجزات، ماضية بثبات في مسيرتها الوطنية رغم محاولات التشكيك، لأن الرهان الحقيقي كسبه الميدان والإنجاز.














