
لم يكن فوز الجزائر على الكونغو مجرد تأهل رياضي عادي، بل كان ضربة موجعة كشفت ما يختبئ خلف الشاشات، إذ ما إن أسدل الحكم صافرة النهاية حتى تحركت صفحات المخزن، لا لتبارك أو تناقش مباراة، بل لتشنّ حملة تشويش ممنهجة على المنتخب الوطني، وكأن الانتصار جاء في غير أوانه وبالجهة الخطأ. فمحاولةً تحويل الأنظار من إنجاز رياضي خالص إلى جدل مصطنع، تمحور خصوصًا حول حادثة المشجع الكونغولي و اللاعب الجزائري عمورة عقب نهاية المباراة.
غير أن ما أُريد له أن يبدو سلوكًا استفزازيًا عابرًا، يخفي في عمقه حمولة تاريخية وسياسية ثقيلة تعمّد المخزن تجاهلها، فهذا المشجع، المعروف في الأوساط الإفريقية باسم “كوكا”، لم يأتِ إلى المدرجات ليشجع فريقه فحسب، بل ظهر في وضعية صامتة جامدة تُجسّد شخصية الزعيم الإفريقي صديق الجزائر باتريس لومومبا، في تقليد دأب عليه منذ سنة 2013 في كل مشاركات الكونغو الديمقراطية، دون أن يثير يومًا هذا الكم من الجدل أو الانتشار. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم.. لماذا انفجرت القضية في المغرب تحديدًا؟ الجواب يكمن في التاريخ الذي لم يُحسم بعد، فالمغرب ليس مجرد بلد منظم للبطولة، بل طرف ارتبط اسمه بإحدى أحلك صفحات تاريخ الكونغو، يوم أُسقط لومومبا في سبتمبر 1960 بانقلاب قاده موبوتو، بدعم مباشر من الجنرال المغربي بن حمو الكتاني. ووثّقت الصحافة المغربية المعارضة آنذاك، وعلى رأسها صحيفة “التحرير”، ما وصفته بالخيانة التاريخية، لكن الملف أُغلق سياسيًا ودُفن رسميًا. أُعدم لومومبا في 17 جانفي 1961، ومُسحت آثاره بطريقة وحشية، بينما عاش موبوتو، الذي حكم الكونغو 32 سنة صديقًا وفيًا للمغرب، انتهى به المطاف لاجئًا مكرّمًا في الرباط، حيث مات ودُفن سنة 1997، ولا يزال قبره قائمًا إلى اليوم. من هنا، يصبح صمت ذلك المشجع، وسقوطه بعد نهاية المباراة، فعلًا رمزيًا لتذكير المخزن بتاريخه الأسود أكثر منه استعراضًا جماهيريًا، وتتحول محاولات تشويه الجزائر إلى محاولة للهروب من مرآة التاريخ.
والأغرب في كل ما حدث أن الجدل المفتعل لم يصدر من الكونغوليين، أصحاب القضية المفترضة، بل من أطراف لا علاقة لها بالمباراة لا من قريب ولا من بعيد، في محاولة مكشوفة لسرقة النقاش وتحويله عن مساره الطبيعي.
فحادثة المشجع الكونغولي لو كان فيها ما يُسيء فعلًا، لكان الأجدر أن يأتي الرد من الجماهير الكونغولية أو من الاتحاد المعني، لا من صفحات مغربية تنصّب نفسها وصيًا أخلاقيًا على المدرجات الإفريقية.
وهنا ينكشف جوهر الحملة..الفوز هو الذي أوجعهم، لا حركة لاعب ولا مشهد مدرج، فلو كانت المباراة انتهت بخسارة الجزائر، لما التفت أحد إلى عمورة ولا إلى المشجع، ولما تحولت اللقطة إلى مادة تعبئة وتحريض. غير أن انتصار الجزائر أعاد فتح جروح تاريخ لم يُغلق، تاريخ يعرفه جيدًا من يحاول اليوم الصراخ بدل الكونغوليين، فالمغرب ليس بلدًا محايدًا في قصة لومومبا، بل اسم حاضر في كواليس إسقاطه، منذ مشاركة قواته ضمن بعثة أممية انحرفت عن مهمتها.
لهذا، لم يكن صمت المشجع ولا سقوطه في المدرجات فعلًا عشوائيًا، بل رمزًا ثقيل الدلالة، أراد البعض كسره بالتشويش، وتحويل الأنظار عنه نحو لاعب جزائري احتفل بفوز مستحق. أما الجزائر، فقد ربحت في الملعب وخارجه، لأنها لم تدخل لعبة التحريف ولا تحتاج إلى تزوير الوقائع. والفرق واضح ..من يفوز يفرح ويمضي، ومن يتألم من الفوز، يبحث عن أي ذريعة ليشوّه، حتى لو لم يكن معنيًا بالقصة من الأساس..














