
ركزت كبريات الصحف الإيطالية الصادرة اليوم، وفي مقدمتها صحيفة “Avvenire” الناطقة باسم مجلس الأساقفة الإيطاليين، على الأبعاد الاستراتيجية لمحطة عنابة في اليوم الثاني من زيارة البابا ليون الرابع عشر، حيث ذهبت في تحليلها إلى أن الجزائر نجحت في تقديم “نموذج فريد” لإدارة التراث الروحي العالمي فوق أرض إسلامية.
واعتبرت الصحيفة أن وقوف الحبر الأعظم في كنيسة القديس أوغستين ليس مجرد نشاط ديني، بل هو اعتراف فاتيكاني صريح بدور الجزائر كـ “حارس أمين” لذاكرة مسيحية إفريقية ضاربة في القدم، مشيرة إلى أن الدولة الجزائرية استطاعت بذكاء تحويل هذا الإرث التاريخي إلى جسر دبلوماسي يربط ضفتي المتوسط.
من جهتها، أفردت وكالة “Agenzia Nova” الإيطالية مساحة واسعة لتحليل “حفاوة الاستقبال” التي أشاد بها البابا، معتبرة أن الشكر الخاص الذي وجهه للسلطات الجزائرية يعكس ارتياحاً عميقاً لدى دوائر صنع القرار في الفاتيكان تجاه الاحترافية العالية التي أظهرتها الجزائر في تأمين وتنظيم زيارة بهذا الحجم في مدن داخلية. ورأت الوكالة أن هذه المحطة عززت من موثوقية الجزائر كشريك دولي قادر على احتضان كبرى الفعاليات الروحية والدبلوماسية ببروتوكول صارم يعكس هيبة الدولة واستقرارها، وهو ما يمنح الجزائر ثقلاً إضافياً في حوارها مع العواصم الأوروبية.
وفي قراءة أكثر عمقاً، تناولت صحيفة “Corriere della Sera” ما وصفته بـ “التناغم الجيوسياسي” بين خطاب البابا ومواقف الجزائر، مشيرة إلى أن دعوة الحبر الأعظم من عنابة لانتهاج “سبل العدالة والتآخي” لا تنفصل عن العقيدة الدبلوماسية للجزائر التي طالما رافعت من أجل الحلول السلمية والعدالة الدولية. كما توقفت الصحافة الإيطالية بكثير من التقدير عند الحالة المثالية التي ظهرت بها المواقع المسيحية، مؤكدة أن الكنائس كانت في أبهى حلة وعلى أحسن وجه من حيث الصيانة والترميم، وهو ما يبرز بوضوح الجهود الحثيثة التي تبذلها السلطات الجزائرية في حماية والاعتناء بدور العبادة المسيحية. هذا الاهتمام الرسمي، رغم أن الجزائر بلد ذو أغلبية مسلمة، اعتبرته الصحف دليلاً حياً وساطعاً على ثقافة التعايش المتجذرة في هذا البلد، ورسالة قوية للعالم حول احترام التعددية الدينية.
وأكد التحليل الإيطالي في الختام أن الجزائر بصدد استعادة دورها كـ “رئة ثقافية وروحية” للمنطقة، مستخدمةً إرثها التاريخي كأداة للتأثير المعنوي، مما جعل من زيارة عنابة، حسب وصف الصحيفة، “شهادة ميلاد جديدة” لعلاقات استراتيجية تتجاوز البعد الديني لتصل إلى تفاهمات سياسية وحضارية كبرى بين الجزائر وروما والفاتيكان.















