الحدثالعالم

تاتس الألمانية وإل دياريو الإسبانية تدقان ناقوس الخطر: مشاريع الطاقة في الصحراء الغربية “استعمار مناخي يفتقر للشرعية القانونية”

في وقتٍ يهرع فيه العالم نحو “الحياد الكربوني”، يبدو أن أراضي الصحراء الغربية قد أُدرجت قسراً ضمن مقامرة جيوسياسية كبرى تغلف بإسم “الهيدروجين الأخضر”. إن القرارات الأخيرة القاضية بتخصيص مساحات شاسعة في مدينتي الداخلة والعيون لمستثمرين دوليين، تتجاوز كونها “صفقات تجارية” لتتحول إلى تعدٍّ صارخ على صلاحيات شعبٍ لا يزال ينتظر حقه في تقرير المصير، ومحاولة لفرض “سيادة استثمارية” تسبق أي تسوية سياسية أو قانونية أممية.

هذا التوجه الجديد يكرس ما يسميه خبراء القانون الدولي “الاستعمار المناخي”، حيث تُستغل الموارد الطبيعية والمساحات الجغرافية للصحراء الغربية لتزويد القارة الأوروبية بالطاقة النظيفة، بينما يُحرم أصحاب الأرض من حقهم الأصيل في منح “الموافقة الحرة والمسبقة” على استغلال مقدراتهم. إن الخطورة تكمن في أن هذه المشاريع ليست مجرد توربينات رياح أو ألواح شمسية، بل هي محاولة “لتثبيت الجغرافيا” عبر استثمارات ضخمة طويلة الأمد، تهدف إلى خلق واقع مادي يصعب التراجع عنه أمام المحاكم الدولية.

وقد تصدت لهذا التمدد أصوات إعلامية أوروبية رصينة، حيث شنت صحيفة “تاتس” (Taz) الألمانية هجوماً لاذعاً في تقريرها الصادر بتاريخ 22 فبراير 2026، واصفةً المشروع بأنه “بناء فوق الرمال المتحركة”، ومحذرةً من أن تورط الشركات الألمانية يمثل خرقاً للمبادئ الأخلاقية التي تتشدق بها برلين. وفي سياق متصل، دافعت صحيفة “إل دياريو” (El Diario) الإسبانية في وقت سابق عن ملف أراضي الصحراء الغربية واستغلالها بهذه الطريقة ، حيث كشفت عن الزيف القانوني الذي تغلف به الشركات الإسبانية مشاريعها في الداخلة، مؤكدةً أن هذه الاستثمارات تتم في “فراغ شرعي” وتتجاهل قرارات محكمة العدل الأوروبية التي ترفض استغلال موارد الإقليم دون موافقة أهله.

كما انضمت صحيفة “يونغ فيلت” (Junge Welt) الألمانية إلى جبهة الدفاع عن حقوق الصحراويين، معتبرةً أن ما يحدث هو “نهب تحت مسمى حماية البيئة”، ومؤكدةً أن هذه العقود تفتقر لأي قيمة قانونية ما لم تعترف بالسيادة الأصلية للشعب الصحراوي على أرضه، حيث تناولت الموضوع في مقال خلال هذا الشهر.

إن ما يحدث اليوم هو “غسيل أخضر” لواقع سياسي متنازع عليه، فالهيدروجين لا يمكن أن يكون “أخضر” بالمعنى الأخلاقي والقانوني إذا نبع من أرضٍ مغتصبة أو مناطق نزاع، لأن الاستدامة الحقيقية لا تنفصل عن العدالة السياسية. إن إصرار الشركات الدولية، رغم تحذيرات المنظمات الأممية والصحراوية و الصحف الأوروبية الحرة، على توقيع عقود “حجز العقارات” في الصحراء الغربية، هو مقامرة بالاستقرار الإقليمي، وتحويل للطاقة المتجددة من أداة لإنقاذ الكوكب إلى وسيلة لتعميق النزاعات ومصادرة سيادة الشعوب على أراضيها ومنعها من أبسط حقوقها الرفض أو القبول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: