
في الوقت الذي تتواصل فيه المطالب الدولية بإيجاد حل عادل لقضية الصحراء الغربية وفق قرارات الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير، يصر الاحتلال المغربي على توظيف الأنشطة الثقافية والفنية في المدن الصحراوية المحتلة لتسويق صورة مغايرة للواقع القائم على الأرض. ويأتي تنظيم مهرجان سينمائي بمدينة الداخلة المحتلة ليكشف مرة أخرى حجم الرهان على الثقافة كأداة دعائية لتبييض صورة الاحتلال وإضفاء مظهر طبيعي على وضع سياسي وقانوني ما زال محل نزاع دولي.
وفي مواجهة هذه المحاولات، رفعت جمعيات ومنظمات صحراوية صوتها عاليا للتنديد بهذه التظاهرة، معتبرة أنها ليست حدثا ثقافيا عاديا، بل جزء من سياسة ترمي إلى تكريس الأمر الواقع في إقليم لا يزال مدرجاً على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وفي هذا الإطار، أدان فرع الداخلة المحتلة لتجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان بالصحراء الغربية (كوديسا)، إلى جانب آلية التنسيق الفعل النضالي، تنظيم هذا المهرجان، مؤكدين أن الثقافة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لتبرير الاحتلال أو التغطية على معاناة الشعب الصحراوي
إن إقامة فعاليات دولية في إقليم لم يحسم وضعه النهائي بعد لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الذي تجري فيه، فالثقافة، مهما كانت رسالتها نبيلة، تفقد معناها عندما تستغل للتغطية على معاناة شعب يطالب بحقوقه الأساسية، أو عندما تتحول إلى ستار يحجب خلفه واقع الانتهاكات والتضييق على الأصوات المطالبة بالحرية والعدالة.
وما يثير الاستغراب أن نظام المخزن يحاول تقديم هذه التظاهرات على أنها فضاءات للإبداع والانفتاح، بينما تتعالى في المقابل أصوات حقوقية وصحراوية تندد باستمرار القيود المفروضة على حرية التعبير والعمل الحقوقي والإعلامي في الأراضي المحتلة. فكيف يمكن الحديث عن احتفاء بالفن والحرية في بيئة تتهم منظمات حقوقية بأنها تشهد تضييقا على الحريات الأساسية؟
إن الرهان على المهرجانات والاحتفالات لن يغير من حقيقة أن قضية الصحراء الغربية ما تزال مطروحة على أجندة الأمم المتحدة باعتبارها قضية تصفية استعمار لم تستكمل بعد. كما أن الأضواء والكاميرات والسجاد الأحمر لا تستطيع حجب الأسئلة الجوهرية المتعلقة بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره ومستقبل أرضه.
لقد أثبتت تجارب عديدة عبر التاريخ أن محاولات تجميل الاحتلال أو تسويقه ثقافيا لا تمنحه شرعية سياسية أو قانونية. فالشرعية لا تصنع بالمهرجانات، بل تُنى على احترام القانون الدولي وحقوق الشعوب. وكل محاولة لاستغلال الفن والثقافة لخدمة أجندات سياسية توسعية تظل محكومة بالفشل أمام قوة الحقائق وإرادة الشعوب.
ومن هذا المنطلق، تتزايد الدعوات الموجهة إلى الفنانين والمثقفين والمؤسسات الثقافية الدولية للتحلي بالمسؤولية الأخلاقية وعدم الانخراط في فعاليات قد تستخدم لتلميع صورة واقع متنازع عليه دوليا. فالثقافة الحقيقية تقف إلى جانب الحرية والكرامة والعدالة، ولا يمكن أن تكون أداة لتبرير الاحتلال أو التغطية على آثاره.
ويبقى الحل الوحيد القادر على إنهاء هذا الجدل هو تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه المشروع في تقرير المصير وفق الشرعية الدولية، بعيدا عن محاولات فرض الأمر الواقع أو الالتفاف على جوهر القضية عبر أنشطة دعائية مهما كان حجمها .














