الحدثوطني

الجزائر ومنظمة الأمم المتحدة..مسار تاريخي مشترك في دعم التحرر وتصفية الاستعمار

أشرف وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، السيد أحمد عطاف، اليوم الأربعاء، بمقر الوزارة، على مراسم الاحتفال باليوم الوطني للدبلوماسية الجزائرية، المصادف ل08 من أكتوبر من كل سنة، والمتزامن مع الذكرى ال80 لتأسيس منظمة الأمم المتحدة.

وقد جرت مراسم هذا الاحتفال في أجواء مهيبة، بحضور ممثلين عن عدة هيئات ومؤسسات وطنية، ورؤساء البعثات الدبلوماسية، وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية المعتمدة لدى الجزائر، إلى جانب إطارات وموظفي وزارة الشؤون الخارجية، في ذكرى تعكس دلالات قوية للدور الريادي للدبلوماسية الجزائرية داخل منظومة الأمم المتحدة منذ انضمامها إليها في 8 أكتوبر 1962.

وفي كلمة ألقاها بالمناسبة، أعرب السيد عطاف عن اعتزازه وفخره بهذه المحطة المزدوجة، قائلاً: “يشرفني من هذا المقام أن أنقل إليكم تهاني وتبريكات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بمناسبة هذه الاحتفالية المزدوجة، احتفالية يوم الدبلوماسية الجزائرية واحتفالية الذكرى ال80 لتأسيس منظمة الأمم المتحدة”.

وأوضح وزير الدولة أنّ الجمع بين الاحتفاليتين ليس من باب المصادفة، بل لما تحمله كل مناسبة من دلالات عميقة، باعتبار الأولى محطة وطنية تعبّر عن فخر الجزائر بدبلوماسيتها، فيما تجسد الثانية فخر الإنسانية بمنظمتها الأممية. وفي هذا السياق، أكد السيد عطاف “أن العلاقات بين الجزائر ومنظمة الأمم المتحدة هي علاقات متجذرة ومتميزة، تستمد جذورها من احتضان هذه المنظمة للقضية التحررية الجزائرية وتسجيلها على جدول أعمال جمعيتها العامة في 30 سبتمبر 1955، كأول قضية لتصفية الاستعمار، في سابقة قانونية وإجرائية غير مسبوقة آنذاك”.

كما أبرز رئيس الدبلوماسية الجزائرية أن “القضية التحررية الجزائرية كانت أول قضية لتصفية الاستعمار تُدرج مباشرة على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة”، مشيراً إلى أنّ هذه الخطوة التاريخية شكّلت منعطفاً محورياً في مسار القانون الدولي، وأرست سابقةً ستظل خالدة في سجل الأمم المتحدة.

وفي معرض حديثه عن عمق الروابط بين الجزائر والمنظمة الأممية، شدّد السيد عطاف على أنّ هذه العلاقة “تميّزت أيضاً بإسهام الجزائر في ترسيخ مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها”، مذكّراً بأنّ هذا الإسهام تجسّد في اللائحة التاريخية رقم 1514 الصادرة عن الجمعية العامة، والمتضمنة “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة” (la résolution 1514 de l’Assemblée Générale portant déclaration sur l’octroi de l’indépendance aux pays et aux peuples coloniaux).

وأضاف الوزير أنّ هذه اللائحة تم اعتمادها يوم 14 ديسمبر 1960، أي بعد ثلاثة أيام فقط من المظاهرات العارمة التي شهدتها الجزائر في 11 ديسمبر من العام ذاته، والتي كانت بمثابة “بداية النهاية لاستعمار قلّ نظيره في التاريخ، شكلاً وممارسةً، عدواناً واضطهاداً، ظلماً وتجبراً”.

ومن جهة أخرى، استحضر السيد عطاف محطات مشرقة من التاريخ الدبلوماسي الجزائري، مؤكداً أنّ الجزائر كانت ولا تزال أرض المواقف المبدئية والنضال من أجل القضايا العادلة. وقال في هذا الإطار:

“منذ سبعٍ وثلاثين عاماً خلت، ورغم الضغوط الدولية آنذاك، احتضنت الجزائر، بكل فخر واعتزاز، مؤتمرَ إعلان قيام الدولة الفلسطينية، ونالت منذ ذلك الحين شرف شق طريق الاعتراف الدبلوماسي والرسمي بهذه الدولة الشقيقة، بأن كانت الجزائر أول المعترفين بها وأول من احتضن على أرضه سفارة ممثلة لها.”

وتابع قائلاً: “واليوم، وفي خضم المآسي المسلطة على فلسطين، يهتدي المجتمع الدولي إلى المسار الذي تم التأسيس له هنا، على أرض الجزائر، من أجل إنصاف الشعب الفلسطيني الأبي وتمكينه من حقوقه الشرعية والمشروعة. وما زخَمُ الاعترافات الرسمية بالدولة الفلسطينية إلا إقرار دولي بأن قيام هذه الدولة لا غنى عنه، ولا مفرّ منه، ولا بديل له، في سبيل إنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني واستعادة الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها.”

وفي سياق متصل، أكد وزير الدولة أنّ الجزائر تواصل، بالقدر ذاته من الالتزام، دعمها الثابت لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، مشيراً إلى أنّ “الجزائر تساند كافة الجهود التي تندرج تحت لواء الأمم المتحدة والرامية إلى إيجاد حل سياسي عادل، ودائم ونهائي لهذا الصراع الذي طال أمده”. وأضاف قائلاً: “إن العقود الخمسة الماضية أنصفت رجاحة وصواب وثبات الموقف الجزائري، إذ أثبتت أن القضية الصحراوية لا يمكن تسويتها بالالتفاف على الشرعية الدولية، ولا بتجاهل إرادة الشعب الصحراوي وحقه في تقرير مصيره، ولا بمعالجتها خارج الإطار الذي حددته العقيدة الأممية الراسخة في مجال تصفية الاستعمار تصفيةً حقيقية ومطابقة لمقتضيات هذه العقيدة المتجذرة.”

وشدّد وزير الدولة في ختام هذا المحور على أنّ “سياسات الأمر الواقع لم تُفلح، ولن تُفلح يوماً، في إطفاء جذوة الحقوق الوطنية الشرعية والمشروعة، فهذه الجذوة قد تخبو أحياناً، لكنها لا تنطفئ أبداً.”

كما اغتنم السيد عطاف الفرصة ليترحّم على روح أحد أعلام الدبلوماسية الجزائرية الذي وافته المنية قبل ثلاثة أيام، وهو الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وزير الشؤون الخارجية الأسبق، الذي وصفه بأنه “من القامات التي تركت بصمة متميزة في مسيرة الدبلوماسية الجزائرية، وفي النضال الوطني، وفي بناء الدولة المستقلة والسيدة”. وأضاف قائلاً: “ستبقى ذاكرة الدكتور الإبراهيمي حية فينا ما حيينا، وسيظل إرثه الحافل نبراساً يُهتدى به ومصدر إلهام واقتداء للأجيال المتلاحقة من الدبلوماسيات والدبلوماسيين الجزائريين، المتشبعين بالروح الوطنية، والحافظين لأمانة نوفمبر الخالدة، والمرافِعين عنها بكل عزمٍ وإخلاصٍ ووفاء”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: